تغييب خاشقجي: اغتيال لحرية الكلمة

عبدالرحمن مطر

2018 / 10 / 9

حتى ساعة نشر هذا المقال، قد لا تتضح حقيقة ما آل إليه حال الصحافي والكاتب السعودي جمال خاشقجي، الذي اختفى داخل القنصلية السعودية في استانبول، الثلاثاء الماضي. لكن المؤكد أنه قد تغييبه، وهذه في حدّ ذاتها جريمة تعاقب جميع القوانين والأعراف، وهيبصيغ مختلفة تعني الاختطاف، وسلب الحرية، وسلب الروح أيضاً، أي القتل وهي جرائم متعمدة، فكيف يكون الحال إذن مع كاتب وصحافي معارض لسياسات بلاده ويدعو الى إحداث إصلاحات جوهرية في نظام الحكم وسياساته الاجتماعية والاقتصادية. بلا شك أن مواقف جمال الخاشقجي تدفعنا لاعتباره مُغيّباً بسبب حرية الراي والتعبير.
هذه واحدة من أكثر القضايا حساسية في منطقة الشرق الأوسط، لا يستطيع أحد التعبير بمطلق الحرية عن آرائه، حيال السياسات العامة التي تتخذها الحكومات في المنطقة، دون عواقب وخيمة لمن يتجرأ ويرفع من سقف الحرية، عبر الكتابة والقول. شهدت المنطقة ولا تزال تصفيات وملاحقات امنية، قتل واعتقال وتغييب لعشرات الكتّاب والصحفيين العرب، في سوريا ولبنان ومصر والعراق واليمن والسعودية وغيرها، جرت هذه الجرائم داخل تلك البلدان، وخارجها. قضية خاشقجي ليست الأولى وقد لا تكون الأخيرة.
جميع الأنظمة ذات الطابع الاستبدادي لا تتورع في انتهاك الحقوق والحريات، وفي حرمان المشتغلين بالكتابة من التعبير عن آرائهم بحرية، بكل الوسائل التي تتدرج من التحذير والتضييق الى الإعتقال والتصفية الجسدية. السعودية، وهي تُدخل إصلاحات جديدة – كما يبدو – شددت قبضتها الأمنية على مجالات حرية التعبير وحقوق الإنسان، وتمضي بثبات نحو استبداد سوف يأخذ أشكالاً وصوراً أشد بشاعة مما عليه في التسلط وفرض رقابة واسعة على حرية التعبير. وتعكس أزمة الرياض مع كندا قبل أشهر بسبب اعتقال نشطاء حريات، جانباً حجم المشكلة المتفاقمة، داخل السعودية، إثر تبني محمد بن سلمان لسياسات غير مقبولة، خاصة في السياسة الداخلية والخارجية.
اختار خاشقجي، أن يتكلم، أن يشير صراحة الى مواطن الخلل، والى الممارسات الخاطئة التي تقوم بها اجهزة الدولة، واختار أن يكون الى جانب اولئك النشطاء الذين اعتقلوا بسبب حرية التعبير والرأي، ونشاطهم في مجال حقوق الإنسان، واختار المنفى لأنهيضمن له حرية التعبير.
هذا الخيار، في اعتقادنا- هو ما قاد إلى تغييب جمال خاشقجي، الذي يتمتع بشبكة علاقات واسعة عبر العالم، باعتباره صحافياً وكاتباً مقرّباً من دوائر صنع القرار السعودي، ويمتلك من الخبرة والمعلومات، ما يجعل منه خبيراً استراتيجياً ليس في القضايا السعودية فحسب، بل وقضايا المنطقة الخليجية والعربية بشكل خاص.
أي مُتابع للشأن السعودي، يدرك تماماً أن ثمة تغيّرات جوهرية تحصل في السياسات المتبعة اليوم، داخلياً وخارجياً. ويلمس تأثير القبضة الأمنية الذي يطال الليبراليين من مثقفين وصحفيين ونشطاء، وانتشار الخوف، في ظل انتهاج سياسة أمنية لمكافحة الإرهاب. وأن هناك أزمات سياسية واقتصادية، وهناك تخبط ملموس في توجهات المملكة منذ تولي ترامب الرئاسة الامريكية، وفرضه لآليات تعامل سياسي ومالي مع الرياض، لم يسبق وان حدثت من قبل لا في العلاقات الثنائية بين الدول، أو في العلاقات الدولية. حادثة فندق الريتز، والرضوخ لتوجهات ترامب، مؤشران هامّان على تلك التحولات. كان جمال خاشقجي منتقداً لجملة سياسات المملكة في العهد الحالي، وحرصاً منه على حريته في الكتابة والتعبير، غادر الرياض الى واشنطن.
حتى الآن لم تُبد الولايات المتحدة " قلقها " على تغييب خاشقجي. في الواقع، هو يكتب في الصحافة الأمريكية المناوئة لترامب: الواشنطن بوست، وترامب بدوره لايُخفى من كراهيته لها. يقول ترامب إن سياسات الملك بن سلمان وولي العهد محمد بن سلمان، تحظى بقبولة، وهي مهمة لتنمية المنطقة، وبهذا المعنى، فإن السياسات الامنية مقبولةن ولا اعتراض عليها، بما فيها انتهاك الحقوق والحريات المدنية الواسعة التي تمارسها السلطات السعودية.
منح المرأة حق قيادة السيارة، وانشاء صالات عرض سينمائي، وغيره من المظاهرالاحتفالية الاجتماعية المحدودة، لا يمكن التعويل عليها كسياسات انفتاح إذا كانت هناك ممارسات ممنهجة لمنع الأفراد والمنظمات من ممارسة حقوقهم السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، التي تكفلها لهم القوانين الدولية. حق التعبير، وحق انشاء الجمعيات، والدفاع عن حقوق الإنسان، هي في مقدمة الانتهاكات التي تجري داخل السعودية.
تغييب جمال خاشقجي، يثير هذه القضايا جميعاُ، دفعة واحدة. لا تبدو هناك أية أسباب، دافعة لاختطاف ( آمن – كما يُخيل للسعودية ) خاشقجي. والترجيح الأقرب، إن لم يكن هو الوحيد، هو الشجاعة التي امتلكها في اتخاذ الموقف الصحيح حيال سياسات القمع والاستبداد التي تتعاظم، مع تولي محمد بن سلمان السلطة في بلده. شجاعة خاشقجي في قول الحقيقة، والتعبير بمطلق الحرية المسؤولة عن آرائه ومواقفه، لم تكن حماقة، ولم ينل من أمير أو شخص ما، ولكنه كان يقول رأيه بصراحة وحرية. هنا مكمن الخطر في وجود جمال خاشقجي حيّاً وحراً ليقول ما يتوجب عليه القول.
في ذلك، جميع أنظمة الاستبداد والقمع تتشابه، في أي مكان من العالم، في سوريا، يذبح النظام الأسدي السوريين المطالبين بالحرية، ويعذب المعتقلين حتى الموت، ويُغيّب عشرات الآلاف في الأقبية والزنازين. وقد استهدف ولا يزال النشطاء المدنيين، أصحاب الفكر، الرأي الحر، والكلمة الشجاعة، ويرى فيهم أشد خطورة من المسلحين على نظامه القمعي الدموي الاستبدادي.
تغييب جمال خاشقجي، بأي صورة وبأية دوافع، هي جريمة كاملة، مرفوضة ومدانة، تعيد إلينا جرائم اغتيال سليم اللوزي، وجبران تويني، وسمير قصير، واختطاف وتغييب الكاتب السعودي ناصر السعيد، وآخرين، اضافة الى صحفيين وكتاب في انحاء مختلفة من العالم بسبب حرية الرأي والتعبير.
استجابت السعودية في قضية خاشقجي، أو لم تستجب، فإنها تتحمل المسؤولية القانونية والجنائية كاملة، والكشف عن مصيره مطلب لجميع الكتاب والصحفيين، وجميع الاحرار، والسكوت عن هذه الجريمة يفتح الأبواب أمام جميع الأنظمة الاستبدادية، لتصفية جميع أصحاب الراي والوصول إليهم حيثما كانوا.
حرية التعبير في خطر، وأصحاب الرأي والكلمة الحرة في خطر حيثما هم.
ماجري لجمال خاشقجي هو أسلوب إرهابي داعشي – نصروي بامتياز..بصورة ما.