التجويع في القانون الدولي ... حصار جبل سنجار أنموذجاً

خالد الخالدي

2018 / 10 / 8

ان الاحداث المأساوية والمروعة التي شهدها قضاء سنجار احد اكبر معاقل الديانة الايزيدية في العراق والعالم بتاريخ 3 /8/2014 وما تلاه والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي العام بكل فروعه اثر مهاجمة القضاء وسهل نينوى اجمالا من قبل مايسمى تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام الارهابي المتطرف والتي تنوعت اشكالها بين القتل والاختطاف و التدمير المتعمد للاعيان المدنية والحصار والتي قادت الى انتهاكات اوسع وابشع صورا كالاغتصاب والاسترقاق والبيع والشراء للنساء والفتيات والاطفال وتجنيد الاطفال منهم وتغيير هويتهم الدينية قسرا والتجويع اثر حصار اكثر من 1200 عائلة من الهاربين من ابناء الديانة الايزيدية في جبل سنجار تعد انتهاكات جسيمة تقوض حقوق الانسان وترقى الى جرائم ابادة جماعية وجرائم ضد الانسانية .
ومن اللافت للنظر ان سياسة التجويع التي انتهجها مايسمى بداعش في الفترة المحصورة بين 3/8/2014 الى 19/12/2014 في جبل سنجار تعد موجهة بصورة مباشرة ضد المدنيين بقصد اهلاكهم وهو ما يحقق واحد من اهم شروط جريمة الابادة الجماعية ، فالتنظيم الارهابي لم يقدم اي نوع من انواع الاغاثة للمدنيين وفق ماتقتضيه المواثيق الدولية خصوصا في القانون الدولي الانساني بل سعى جهارا نهارا الى تدمير الاعيان المدنية وقطع اي امدادات اغاثية قد تصل الى من قام بحصارهم .
تاتي قوة هذا النوع من الانتهاكات بكونه وان لم يحمل دولة ما فرضا نتيجة الانتهاك فانه يحمل الاشخاص الذين ارتكبوا الانتهاك المسؤولية الكاملة بصرف النظر عن دولهم
والتجويع في القانون الدولي هو كل فعل او امتناع عن سلوك يؤدي الى تجويع المدنيين ويشمل ايضا منع عرقلة وقطع خطوط مصادر الاغاثة وما حدث في جبل سنجار هو عملية قطع ومنع وصول الاغذية ومواد الاعاشة والادوية والمستلزمات الطبية والرعاية الطبية عن المدنيين المحاصرين بقصد اهلاكهم .
ان اهم مايمكن الاعتماد عليه بانشاء اي تقرير توثيقي للتجويع المتعمد في جبل سنجار هو البروتوكول الاول لعام 1977 الملحق باتفاقية جنيف الرابعة عام 1949 وتحديدا المادة 54 - 2 - 1 حيث نصت على حظر تجويع المدنيين كاسلوب من اساليب الحرب
بالاضافة الى المادة ب - 8 - 2 من النظام الاساس للمحكمة الجنائية الدولية حيث نصت على حظر اعاقة اي وصول للمواد الاغاثية للمدنيين وبشكل اشد تعمد منع وصولها
ان مايمكن توصيفه وتكيفيه كنتائج لهذا الانتهاك الجسيم الذي تعرض الايزيديون في جبل سنجار من تجويع لاينحصر فقط بالاثر المباشر للانتهاك وهو الموت وفقدان الارواح و تدهور الحالة الصحية فقط بل يتعداه الى حالات اليأس والالم والاحباط و الشعور بدنو الاجل وماترتب على الانتهاك من اذلال واهانة للكرامة الانسانية يجب ان يضمن باي تقرير يصدر عن اي مؤسسة او منظمة او جهة ترفع وتكتب تقريرها عن هذا الانتهاك
ان احد اهم مصادر القوة لاي تقرير يصدر موثقا لما حصل من احداث يندى لها جبين الانسانية في حصار جبل سنجار هو ان من تعرضوا للانتهاك بالتجويع هم مدنيون عزل لاعلاقة لهم باي عمل او نشاط مسلح من اي نوع وعليه فأن لقانون الدولي الانساني احد فروع القانون الدولي العام هو المعني بشكل مباشر بهذا الانتهاك
ان ما حدث بجبل سنجار من حصار وتجويع لو تم النظر اليه بتمعن جيدا نجده انه ملف متكامل لشتى انواع الانتهاكات واشدها جسامة فبمطالعة سريعة للقانون نجد ان القانون بمادته ال33 من اتفاقية جنيف الرابعة نص على لايجوز معاقبة اي انسان عن جريمة لم يرتكبها هو سخصيا
و يحظر اي شكل من اشكال العقاب الجماعي وماحدث بجبل سنجار هي عملية تجويع جماعية محظورة بنص المادة اعلاه
كما ان عدم التمييز بين المقاتلين والمدنيين يفرض مسوؤلية قانونية على المستوى الدولي فالمادة الرابعة من اتفاقية جنيف الرابعة واضحة ونصت على لايجوز استغلال اي شخص محمي والتنظيم الارهابي تعمد الحاق الاذى بالمدنيين وذلك لكسر معنويات المقاتلين والمدنيين بما لاشك فيه انهم محميون تحت اي ظرف وفي اي زمان ومكان
ان التسجيلات المصورة التي بثها التنظيم الارهابي اثبتت وبالدليل القاطع انه عازم على ابادة الايزيدين كما في ( فشرد بهم من خلفهم تسجيل فيديوي صادر عن اعلام التنظيم الارهابي 2014 ) وبما يتنافى مع المادة 40 من البروتوكول الاول الملحق باتفاقيات جنيف 1949 والتي جاء فيها
يحظر الامر بعدم ابقاء احد على قيد الحياة او تهديد الخصم بذلك وهو ما قام به التنظيم فعلا وتهديدا وممارسة ومحاولة وسعى الى ذلك ونجح في تطبيقه بمناطق محددة مثل كوجو وكرزرك بالاضافة الى مركز قضاء سنجار واستهدف شريحة محددة ومنتخبة وهم الايزيديون
ان التقارير الواردة من جبل سنجار في تلك الفترة افادت وبشكل واضح نقصا حادا في الغذاء ( للاستزادة مراجعة مصفوفة تتبع النزوح IOM 2014 تشرين اول ) وهو نتيجة حتمية لقطع خطوط الاغاثة من قبل مسلحي التنظيم الارهابي وبما يتعارض مع المادة 14 من البروتوكول الثاني لاتفاقية جنيف الرابعة 1977 والتي اوردت يحظر تجويع المدنيين كاسلوب من اساليب القتال واي مايترتب على ذلك من الحرمان الشديد للمواد الاساسية للعيش
ان التعمق اكثر بالبحث سيقود الراصدين والموثقين الى ابعاد اوسع فحرارة الجو اللاهبة في شهر اب و الطقس البارد في شهر تشرين الثاني وكانون الاول يفرض مسؤوليات اخرى على التنظيم الارهابي حيث جاء في ذات المادة السابقة تعطيل المواد التي لاغنى للسكان عنها خصوصا في انخفاض درجات الحرارة ، وكما معلوم للجميع ان االتنظيم الارهابي حرص على عدم وصول اي نوع من انواع الغوث لجبل سنجار وهو مايتنافى كليا مع جميع ماورد بالشرعة الدولية وهو تقويض سافر لحقوق الانسان بابسط صورها وعلى سبيل الذكر نجد ان المادة 10 اتفاقية ج 4 والمادة 81 - 1 من البروتوكول 1 الملحق بها تتحدث عن الغوث والمنظمات الانسانية وضروؤة تسهيل مهامها
ان ما يتصل بحصار جبل سنجار والتحويع المتعمد للايزيدين فيه لايقف عند هذا الحد بل يتعداه الى حقوق النساء والاطفال والصحفيين ويتشعب كثيرا حجم الانتهاكات فنجد النساء مثلا بينهن حوامل والاطفالحديثي ولادة والمرضى والعجزة واصحاب الاحتياجات الخاصة كل هذا يجب ان يتم العمل عبر توثيقه التوثيق الامثل من قبل المدافعين او من يتصدى لهذه المسؤولية الكبيرة والتي تتعلق بحقوق الضحايا
ان جميع اركان التجويع والحصار الشامل متوفرة في ما حصل بجبل سنجار فبالنظر اليها نجد انها تستوفي شرط جريمة ضد الانسانية قد ترقى الى ابادة جماعية باستثناء حالة واحدة فبالعودة للمادة م / 2/ 8 / ب / 25 من نظام المحكمة الجنائية الدولية الاساس نجد
1 . حرمان المدنيين من مواد لا غنى عنها لبقائهم على قيد الحياة ركن مادي
2 . ان يتعمد مرتكب الجريمة تجويع المدنيين كاسلوب من اساليب الحرب ركن معنوي
3 . ان يصدر بظل صراع دولي وهي الفقرة الوحيدة الغير مستوفية كون الصراع للان لمويتم توصيفه مع توصيف سابق انه داخلي وهنا عقبة قد تواجه الناشطين
4 . ان يكون مرتكب الانتهاك على دراية بالظروف الواقعية
ركن معنوي
مما تقدم نجد ان المدافعين العاملين في الميدان امامهم مهمة كبيرة ومعقدة في سبيل توثيق ما جرى في جبل سنجار من انتهاكات جسيمة كونها تتداخل كثيرا فيما بينها ولكنها تشكل قضية واحدة يجب ان يتم العمل عليها تحت تقرير واحد يكون عموده الفقري التجويع كانتهاك واضح المعالم كما ويجب ان يكون العاملون على دراية واسعة بظروف الانتهاكات التي حصلت ممايتطلب توفر مخيلة واسعة للعمل عليها وعدم استبعاد اي فرضية او تصور او سيناريو وقع او يعتقد انه قد وقع .
ان اهم هدف يمكن تحقيقه من خلال تقرير التجويع هو تحقيق ركن اثبات النية لماجرى للايزيدين فحصار عوائل يفوق عددها الالف من اقلية دينية على جبل بظروف لايمكن معها الاستمرار على قيد الحياة يراد منه التدمير الكلي او الجزئي بقصد الاهلاك وهو روح العمل على اعتبار ان ما حصل يرقى لجريمة ابادة جماعية .


المصادر
اتفاقيات جنيف الاربعة 1949
البروتوكول الدولي الاول الملحق باتفاقيات جنيف 1977
البروتوكول الدولي الثاني الملحق باتفاقيات جنيف 1977
النظام الاساس للمحكمة الجنائية الدولية 1998
تقرير مصفوفة تتبع النزوح IOM 2014 تشرين 1
موقع BBC الاخباري -عربي-
تقارير عن الابادة في يوغسلافيا السابقة - التقرير الثالث
احداث مرتبطة في معارك جبهة الفلاندر بلجيكا الحرب العالمية الاولى 1915