العفو

إبراهيم أبوحماد المحامي

2018 / 10 / 8

النصت المادة (38) من الدستور الأردني أنه :
للملك حق العفو الخاص وتخفيض العقوبة، وأما العفو العام فيقرر بقانون خاص .

نص الدستور الأردني على الحق في اصدار عفو خاص وعفو بقانون خاص ، والتسمية في دساتير دول العالم عفو دون خاص او عام، فالعفو وفق الاختصاص إما أن يصدر بقانون خاص أو بقرار ملكي أو رئاسي وفق النظام السياسي ، وقد يكون العفو الرئاسي الفرنسي فردي أو جماعي، ووفق تعديل 2008م ،الغى الدستوري الفرنسي العفو الرئاسي الجماعي ،واقتصر على العفو الذي يصدر عن السلطة التشريعية والعفو الرئاسي الفردي، وبذلك حد الدستور الفرنسي من الصلاحيات الرئاسية ،وإن صلاحيات السلطة التشريعية بالعفو l’amnistie محددة بالمادة (34)من الدستور الفرنسي .
إذ تنص المادة (17) من الدستور الفرنسي على ما يلي :
Le Président de la République a le droit de faire grâce à titre individuel.
لرئيس الجمهورية الحق بإصدار عفو فردي .
ولقد نصت المادة الثانية فقرة (2) من الدستور الامريكي على ما يلي :

he shall have Power to grant Reprieves and Pardons for Offences against the United States, except in Cases of Impeachment.
بحيث أن للرئيس الأمريكي السلطة بمنح تأجيل الأحكام والعفو عن الجرائم المرتكبة ضد الولايات المتحدة باستثناء الاتهامات الصادرة عن مجلس التشريع ضد المسؤولين ،مما يعزز مسؤولية القيادة السياسية ،ومبدأ المحاسبة والشفافية .
وبالنتيجة نجد ان المشرع الدستوري الفرنسي والامريكي استخدم غير لفظة لتعبير عن مصطلح العفو في الدستور الأردني ،والذي اضاف عفوا عاما وخاصا ،مما يعبر عن اشكالية الترجمة القانونية لمصطلحات الدستور الفرنسي والامريكي ،ومما ينفي وجود عفو خاص جماعي في دستور المملكة هو تواتر اصدار العفو الفردي ،حيث أن العفو الجماعي الملكي كان يصدر بموجب قوانين مؤقته ،وبمناسبات وطنية أو سياسية مختلفة .

والعفو والمغفرة والصفح مفردات لغوية تتضمن فروقا جوهرية بينها ،ولذا يفضل استخدام العفو والصفح والمغفرة وفق لصحة اللفظة اللغوية ،لصحة قواعد اللعبة اللغوية ،وحسم صراع التأويلات ،وتحقيق التوازن بين اللفظ والمعنى .
فالعفو بقاء الذنب وتجاوز العقوبة ، ،وتناول الشيء وهذا ما عناه الراغب الأصفهاني في مصنفه المفردات في غريب القرآن دار ابن الجوزي(ص 373).
والصفح محو الإساءة من الواقع ، وهو أبلغ من العفو ،فيذكر بأن الصفح ترك التثريب ،ولذلك قال تعالى (فأعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره )البقرة الآية 109،فقد يعفو الإنسان ولا يصفح ،فالصفح هو تجاوز ما في الصحيفة من ذنب (ص 311 المرجع السابق ).
والمغفرة تجاوز الإساءة وهو صيانة عن الدنس (ص 397نفسه ) ،فالعفو والمغفرة تتضمن مقاربة للعفو الخاص ،والصفح يقترب من مفهوم العفو بقانون خاص ،مما يجعل من الأخير صفحا لا عفواً.
ويرتبط العفو كما ذكرنا بمناسبات وطنية أو سياسية ،او اقتصادية أو ظروف العقاب ،ولذا فالسلطة التقديرية لإصدارة غير محددة السبب ،الا انها تتقلص كلما تحققت العدالة، كما يرتبط العفو بتقدم الدولة ومدى تحقيقها لمبادئ المساواة والعدالة والرفاهية ومدى قدرة الدولة على تأهيل النزيل ، وإصلاحه لتحقيق الهدف الرئيسي لسياسة العقابية بالردع الخاص، و هذه المؤشرات تتناسب عكسيا مع صدور العفو العام .
ولذا فالعفو لدى مانديلا مواجهة لنسق العنصري ،ولدى هيجل فإن كل جريمة قابلة للعفو إلا الجريمة ضد الفكر ، وحيث أن القضاء هو مسافة العدالة بين الضحية والجلاد، فإن العدالة التصالحية تقتضي تدخل القضاء في سبيل اقرار العفو العام لحين ايجاد نظام فاعل لهذه العدالة ، بحيث يتحقق مفهوم العفو لدى بول ريكو باعتباره محو مؤسساتي لجرم من الذاكرة ،وحيث أن المحو يقتضي عدم اعتبار التكرار ،لأن الجريمة طي النسيان وغابت في غياهب الجب ،فإن شرط التكرار لاستحقاق العفو بقانون مخالف لدستور ،وتظهر الاحصائيات بأن 68%من المستفيدين من عفو عام 2011م،لم يعاودوا للجريمة
وأما فيما يتعلق بالالزامات المدنية فلا يسقط التعويض حين صدور العفو العام سندا للمادة (336)من قانون أصول المحاكمات الجزائية ،ولذا فإن حجاج السلطة التنفيذية لإصدار مشروع قانون العفو العام يقوضه النص القانوني المشار اليه ،ويتدخل الزمن لمحو اثار مخالفة القانون ،ولذا فالتصالح المجتمعي برأي دريدا لا يعتبر هزيمة أو انتصار وإنما تجاوز وانتقال سلمي للمجتمع .
وعلاوة على ذلك فإن ربط العفو بأموال الخزينة لا يتسم بالمنطق ، إذ أن الدولة تسعى للسلم المجتمعي لا جباية الضرائب ،،وان ضريبة المسقفات تعفي من كان مالكا للعقار ومن الممكن التأكيد بما لا يدع مجالا للشك بإن العفو الضريبي وخاصة لضريبة المسقفات يصدر عن مجلس الوزراء بموجب صلاحياته بالإعفاء من الديون ومنها غرامات مخالفة قانون الاقامة والحدود ،وأن أي عفو صدر سابقا لم يشمل الغرامات الجمركية والضريبية، حيث تم تعديل التشريعات بحيث لا يشملها العفو العام وبشكل مسبق مما يشكل طعنا بعدم دستورية هذه التعديلات ، وكذلك فإن قضايا الارهاب والقتل والتجسس ....والاغتصاب غير مشمولة بأي عفو عام الا مشروطا بالمصالحة في بعض الحالات ،ولذا فقول البعض بخروج الخطيرين لا يتسم بالدقة .
وبالنسبة للحبس المدني والغارمين فإنه من المتوجب توافقها مع الاعلان العالمي لحقوق الانسان وتأسيس صندوق للغارمين والغارمات لحين تعديل قانون التنفيذ .

واخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين