الابادة الجماعية واصطلام الاقليات في العراق

خالد الخالدي

2018 / 10 / 8

تعرض واقع حقوق الانسان في العراق بعد 10 . 4 . 2003 الى انتكاسة شديدة وصل في احيان كثيرة الى مرحلة التقويض العام لمبادىء حقوق الانسان فالجرائم التي شهدها العراق على يد مختلف الجماعات والتنظيمات الارهابية
بلغت مستويات عالية جدا ولتصل الى ابشع صورها في 22 . 2 . 2006 اثر تفجير مرقد الاماميين العسكريين في سامراء وماتبعه من اعمال عنف وانتقام نفذتها مليشيات طائفية والتي عرفت بالمجاميع الخاصة والتي اتسمت غالبا بالخطف والقتل الجماعي على اسس طائفية ولنشهد في 3 . 8 . 2014 انتكاسة اخرى اثر مهاجمة ما يسمى تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والشام الارهابي المتطرف لمناطق وقصبات سهل نينوى وخصوصا تلك التي حدثت في قضاء سنجار ومحيطه
والتي اشتملت على افظع الانتهاكات للقانون الدولي العام بكل مفاصله من القتل والتدمير والاختطاف والاغتصاب والاسترقاق وابشع صور التعذيب ولتعاد على البشرية جمعاء مرة اخرى اطلال العبودية وتاريخها القبيح
ان ما شهدته مناطق سهل نينوى بغض النظر انها جرائم يندى لها جبين الانسانية الا انها كانت موجهة وبشكل خاص ضد الاقليات وخصوصا ذات الصبغة الدينية منها المسيحية والايزيدية والكاكائية واقلية الشبك من منظور طائفي الا ان ما تعرضت له هذه الاقليات جاء بشكل متفاوت بحجم الانتهاكات الموجهة ضدهم فالحصة الاكبر كانت من نصيب الايزيديين والمسيحيين والتي ترقى ان يتم اعتبارها جرائم ابادة جماعية بحسب معاهدة روما بسبب انطواها على قصد النية باهلاك هاتين الاقليتين .
ان جريمة الابادة الجماعية والمعروفة بجريمة الجرائم تعد ابشع صور الجريمة لانها تنتهك حق الحياة وبشكل مباشر
لذا تعد من اخطر الجرائم الدولية .
ويكمن مصدر الخطر بجريمة الابادة الجماعية كونها تضم اكثر من فعل بقصد القضاء على فرد او جماعة واهلاكهم
بالاضافة الى ان مرتكبي هذه الجريمة تكون النزعة الاجرامية الوحشية هي صفة المجرم وتعد شذوذا كونها تتصف بالسادية وتبرز اسوء ما في نفسية المجرم بالافعال التي يرتكبها والتي لايوجد لها مبرر في وقت الحرب او السلم
وكنتيجة مباشرة لهذه الخطورة التي عقلتها الانسانية وسعت الى مواجهتها وردع مرتكبيها وتقديمهم للعدالة منذ عصور غابرة ( تعود اول مناسبة الى صان تسو الصيني- الاغريق- مبدأ مانو الهندي- الويكيبيديا ) والتي تكللت في 9 ديسمبر عام 1948 باعلان اتفاقية منع جريمة الابادة الجماعية والتي دخلت حيز النفاذ 12 كانون الثاني 1951 والتي جاءت الاتفاقية كرد فعل للمجتمع الدولي على الفضائع التي ارتكبها النازيون ضد الاقليات في اوروبا كاليهود
الا ان البشرية لم تتوقف عند هذا الحد بل سعت وظلت تكافح عبر المنظومات الدولية الفاعلة الى ايجاد صمامات امان اخرى لغرض مواجهة هذه الجريمة فقادت الجهود عام 1998 الى اعتماد مشروع قرار المحكمة الجنائية الدولية تحت قبة الامم المتحدة والتي تكللت بالنجاح باعلان المعاهدة ملزمة بانضمام عشر دول دفعة واحدة
يوم 11 . 4 . 2002
عرف نظام المحكمة الاساس جريمة الابادة على انها
ارتكاب اي فعل من الافعال التالية يرتكب بقصد إهلاك جماعة كليا او جزئيا على اعتبارات قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية وتشمل الافعال
أ ـ قتل أفراد الجماعة
ب ـ الحاق ضرر جسدي أو عقلي جسيم بأفراد الجماعة
ج ـ إخضاع الجماعة عمدا لاحوال معيشية يقصد بها إهالكها الفعلي جزئيا او كليا
د ـ فرض تدابير تستهدف منع الانجاب داخل الجماعة
هـ ـ نقل أطفال الجماعة عنوة الى جماعة أخرى
(المادة السادسة من نظام المحكمة الاساس )
وقد يعتقد البعض ان المجتمع الدولي حينما تحدث جريمة ابادة مصلحته في تحقيق العدالة للضحايا الا ان الباعث الاساس لانتفاض المجتمع الدولي هو انها جريمة تمس المجتمع الدولي باسره كونها تهدد النظام الدولي بجوهره
حيث جاء رد المحكمة الخاصة بجرائم الابادة في يوغسلافيا السابقة عام 1993كالاتي
أن جريمة الابادة الجماعية هذه تصدم ضمير الانسانية وتتسبب في خسائر كبيرة للبشرية وتتناقض مع القانون الاخلاقي ومع روح الامم المتحدة ومقاصدها
ويعد اقوى تصريح للجنة القانون الدولي حول جرائم الابادة الجماعية هو ( حالات مثل الابادة الجماعية سيكون المجتمع الدولي معنيا )تقرير للجنة على الويب
وفي حالة مثل التي واجهتها الاقليات الدينية في العراق نجد انه من الصعوبة ان يتم الفصل والتمييز هل ماحدث هو جريمة ابادة جماعية ام جريمة ضد الانسانية ان تقارب التوصيف وتداخل اشكال الانتهاكات يدخل المهتمين من الناشطين في مجال رصد وتوثيق الانتهاكات في دوامة وحيرة الا ان اهم النقاط التي يمكن الفصل فيها ان جريمة الابادة تهدف الى قتل جزء مهم من الجماعة بادنى حد بينما الجرائم ضد الانسانية لاتهدف الى القضاء على الجماعة بل تشمل انتهاكات واسعة النطاق مثل الاسترقاق والاغتصاب والقتل غير الموجه لغرض الابادة وخير مثال حصار الايزيديين جبل سنجار كان الهدف منه ابادة كونه كان يستهدف القضاء على كل من في الجبل بصرف النظر عن انهم مدنيون او مقاتلين عجزة كانوا ام نساء وشباب واطفال بينما نجد ان حين خطف الفتيات كان القصد منه الاتجار بالبشر بكل صوره وليس قتلهن وابادتهن وان كان الخطف والاغتصاب صورة من الصور التي نتجت عن الابادة ( تقرير العبودية الجديدة للمنظمة الايزيدية للتوثيق وصف للقاضي رحيم العكيلي)
كما ان الابادة من شكل اخر لاتستلزم وقوع الحرب بل في وقت السلم ايضا ( المادة الاولى اتفاقية منع الابادة 1948) وهو ماحدث للمسيحيين من اعمال القتل المنتظمة والممنهجة في بغداد والموصل وسهل نينوى كحادث الباص او كنيسة سيدة النجاة بينما نجد ان الجرائم
ضد الانسانية محددة بتعريف واضح ويتطلب وجود هجوم منهجي زاسع النطاق وان يكون الطرف على علم بالهجوم ومفاده سواء حرب او عدوان ( المادة 7 نظام المحكمة الجنائيةالاساس)بالاضافة الى ان جريمة الابادة يجب ان تكون موجهة ضد الفئات الاربع الواردة في المادة السادسة من نظام المحكمة الاساس وهو احد اهم مرتكزات بناء قضية الابادة بالنسبة للاقليات الدينية في العراق بينما لا تشترط الجرائم ضد الانسانية ذلك
الا ان اهم شرط باثبات ان ما حصل هو جريمة ابادة جماعية هو توافر القصد الجنائي اي وجود النية للقضاء على الجماعة الا انه اجمالا عامة لايوجد تعريف محدد للقصد الجنائي او ما نسميه النية ومع ذلك فأن المحكمة الجنائية فسرت القصد الجنائي على انه العلم والارادة اي ان الجاني يعلم ما يفعل ويعلم ان افعاله كالقتل والخطف والاغتصاب تنصب على فئة من الفئات الاربع ( اي انه يعلم انه يقتل ايزيديا او مسيحيا) وهو متحقق اذ اصدر التنظيم الارهابي تسجيلات مصورة وبيانات تبارك هذه الجرائم ( فشرد بهم اصدار مرئي سابق على اليوتيوب وبيانات مثل تبني حادث كنيسة سيدة النجاة)
اما الارادة اي ان الجاني يمتلك التصميم والتوجه لهذه الافعال وهو ماةلاحظناه بوثيقة داعش عام 2013
( للاطلاع بشكل قانوني مادة 30 من قانون المحكمة )
ان ماتجدر الاشارة اليه هنا ان القصد الجنائي يدخل الشريك ايصا بدائرة الاتهام فموقف بعض القرى المحيطة بقصبات سهل نينوى عربا او كردا يدخلهم باطار الملاحقة القانونية الدولية المعتبرة كشركاء بالجريمة
الا انه يتطلب ايضا توافر القصد العام اي انهم كانوا يعلمون ان مساعدتهم ب الاتفاق او التحريض ستؤدي الى ارتكاب الجاني الجناة لافعالهم وان لم يمتلكوا الارادة او لم يعلموا انها ستؤدي لابادة (اختصاص المحكمة الجنائيةالدولية )
مثل عشائر المتيوت العربية و بعض المسلمين الكورد الكورمانج ( شهادات جمعتها المنظمة الايزيدية للتوثيق بعد 3.8.2014)
الا ان العقبة الاساس حتى في حال قبول المحكمة النظر فيها ان تاتي في ظل نزاع دولي كونه ركن فيها بالاضافة الى ركني المادي والمعنوي والنزاع مع تنظيم داعش الان تم توصيفه داخلي ..
ان اثبات جريمة الابادة الجماعية تتطلب عملا هائلا وجبارا من قبل جميع الفاعلين واناشطين والقانونيين وتعاون الضحايا وقبول البلد بولاية المحكمة والتنازل عن الاختصاص القضاى لصالحها وهو ما ترفضه حكومة جمهورية العراق
ان ماتقدم ذكره هو غيض من فيض من قانون المحكمة الجنائية الدولية ويتوجب على جميع الناشطين العمل على الاطلاع عليه كونه واحد من اهم الاليات الدولية الفعالة واكثرها تطورا ومن خلاله يستطيع المدافعون عن حقوق الانسان من تحقيق العدالة وانصاف الضحايا .
المصادر
نظام المحكمة الجنائية الدولية الاساس
موقع لجنة القانون الدولي
الويكيبيديا
موقع محكمة العدل الدولية
تقرير العبوديةالجديدة
الاتفاقية الدولية لمنع وقوع جريمةالابادة الجماعية 1948
مقالات وصحف
محاضرات وتدريبات سابقة