واقعتان غريبتان في المهجر!!

سلامة محمد لمين عبد الله

2018 / 10 / 1

خلال فترة اقامتي في المانيا حدثت واقعتان غريبتان في كليهما تولد عندي شعور قوي أن هناك قوة خفية ما، كانت تدعمني في القرارات التي اتخذتها منذ وطأت قدماي هذا البلد الأوروبي الجميل الذي يخضع فيه كلُّ شيءٍ لتمحيص العقل، و تمتزج العواملُ التاريخية و العبقُ الثقافيُّ والفكري، بالمدنية الحديثة و التطور التكنولوجي و الرخاء الإقتصادي. في المانيا، لا مكان للنفاق والمنافقين. فالبلدُ منسجمٌ مع تاريخه و ثقافته و قيمه ورؤيته الفلسفية. كنتُ قبل سفري هذ، قد تعلمت اللغة الألمانية في معهد غوتة الشهير و كان لدي أصدقاء المان أوفياء أعرفهم، لحسنِ الحظِّ، قبل وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمر في مدينة نيويورك. قرّرت ُهذه المرّة، أن احتكَّ أكثر بالبلد وأهلهِ و ثقافته، و أن أنصتَ جيِّداً إلى النّاس، و أن اسمحَ لنفسي ببعض المغامرات البرئية.
كان القرارُ الحاسم الذي اتخذتُه يتمثل في عدم ارتياد المقاهي أو المحلات أو المناسبات الثقافية التي لا تكون المانية. و عند الذهاب اليها، أن أجلسَ في الصفوف والمقاعد الأمامية لكي استطيع التحدثَ مع النادل. أو لشعور ما ناتج عن اعتقادي أن زوّار المحل، الذين هم في الغالب المان ذوو بشرة بيضاء و شعر اشقر، سيعرفون أنني أجنبيٌّ وغريبٌ عليهم بعض الشيء، وهذا قد يجعلهم يشعورون بعدم الإرتياح إلى حدما. لذلك كنت أفضل أن أكون في الأمام، لكي يستطيعوا رؤيتي و معرفة ما أقوم به. هذا معناه أنني حرصتُ على تفادي محلات الأجانب و المهاجرين ما عدى الحالات المحدودة التي تفرضها الضرورة. كنت على وعيٍ تامٍ أن الوسطَ العربي و الإسلامي وسطٌ كثير الجدالِ و المشاكل و غير شفاف بالنسبة لي، و انني لن اشعر بالراحة داخله بسبب التعقيدات السياسية والفكرية و الولاءات و تحكّم اللوبيات المختلفة. رغم كل هذه القرارات، و الأحكام و القناعات، فلم أكن حاقدا على ثقافتي العربية الإسلامية أوخائنا لها. كنت اعتقد أنها تمر بأزمة فقط، و أن شعوبنا مغلوبة على أمرها. كنت أتابع وسائل الإعلام العربية و اذهب إلى المحلات التركية الواقعة في الشارع الرئيسي التي تبيع اللحم الحلال و الحلويات، لكن لم تكن لي علاقات شخصية كثيرة بالجالية العربية و الإسلامية المقيمة في المانيا. كنت اشترط أن يكون المحل عصريا و أن يكون الجمهور المانيا يغلب عليه اللون الأشقر. كان يجب أن يكون الجوُّ العام في المحل المانيّاً غربيّاً صرفاً.
في مدينة بريمن الجميلة، التي يتميز سكانها بالكرم والوُدِّ والتسامح و التضامن، كان اليوم الأخير من الصيف الألماني القصير، مشمسا و جميلا، و السماءُ صافية زرقاء. و كان الناس، مثلما اعتادوا عليه، يخرجون من منازلهم و يتركون عملهم و يتوجهون الى الحدائق و نهر "الفيزر" للإستمتاع بمثل هذا اليوم الإستثنائي، أو يجلسون في الهواء الطلق في، في الشرفات و الأماكن المكشوفة التي يخصصها اصحاب المحلات لمثل هذه الأيام الجميلة الناَّدرة. و لذلك يتابع الناس بدقة حالة الطقس و يعملون على تكييف حياتهم معها. إن الألمان، ببساطة، يؤَلِّهُون الشّمسَ. أخذت الدراجة و خرجت أبحث عن مقهي مناسب أقضي به بعض الوقت، أتناول القهوة أو مشروبا منعشا. عبرت أحد الجسور الذي يربط جزئي المدينة. و بعد جولة طويلة في وسط المدينة القديمة و الفشل في العثور على مكان مناسب، قررتُ الذهاب الى ضفة النهر. في الطريق وجدت مقهى مكتوب عليه"مقهى الصحراء" و عليه رسم كبير لواحة نخيل و كثبان رملية و شمس ساطعة كبيرة. دخلت و توجهت مباشرة، كعادتي، إلى الشباك، فتفطنت أنه لا يوجد زبائن بالمقهى بإستثناء شابين أو ثلاثة ذوي ملامح عربية يجلسون في طاولة جانبية وأمامهم نرجيلة. كان النادل الذي يبدو أنه من المهاجرين كذلك، متوجها إليهم لتقديم الشراب أو جمع الكؤوس الفارغة. بادلتهم التحية بسرعة و عدتُ أدراجي إلى خارج المحل. عند رؤيتي للمحل في أول الأمر، قلت في نفسي أن الأمر ربما يتعلق بشخص الماني له علاقات بالبلاد العربية أو اعتاد قضاء العطلة هناك و اطلق على محله اسم"الصحراء" كنوع من الإشهار التجاري. فالناس عادة ما يتوجهون إلى المحلات ذات الطابع الشرقي التي تذكرهم بالأيام الجميلة التي قضوها في بلادنا العربية. بعد مرور أسابيع قليلة نشرت الصحافة أخبار جريمة وقعت في نفس المقهى، حيث قام مجموعة من الأشخاص، قيل انهم من وصول شرق اوسطية، بطعن شاب بسكين في حادث إنتقام في إطار صراع إثني قبلي.

الحادثة الثانية، وقعت في منطقة حيوية في وسط المدينة تعج بالمقاهي و الحانات والمراقص ودور السنما، ليست بعيدة عن محطة القطارات. خرجتُ في نهاية الأسبوع كعادتي لتغيير الجو. لم يكن لدي هدف محدد. كنت أريد فقط المشي على قدماي و ليس لدي مانع في دخول أحد المحلات لتناول شيء ما أو قضاء بعض الوقت. كنت دائما مولعا بحياة المدينة و أريد الإختلاط بالناس و التعرف على ما استطعت من الأماكن من أجل اشباع رغبة الفضول و الإستكشاف. كان هناك محل طالما لفت انتباهي في اكثر من مرّة، كانوا يفرشون بساطا أحمرا عند الباب و كانت توجد الكثير من الأضواء اللامعة و تنبعث الموسيقى الصاخبة، ما يوحي بأنه مرقص أو دار سنما أو مقهي كبير مميز. في تلك الليلة، لما أكتشفت انه قريب مني قررت الدخول إليه. أوقفني الحارس الشاب المفتول العضلات ذو الشعر الأسود القصير والبشرة السمراء. قال لي بأدب أني أحتاج إلى بطاقة خاصة و أنه بجب عليَّ العودة في يوم آخر محدد من أجل مقابلة مدير المحل والحصول على بطاقة العضوية(او بطاقة زبون). لم أطمئن في بداية الأمر لِما قاله لي، كنت أعتقد أنه منعني من الدخول بسبب المظهر أو لأسباب عنصرية. لكني فضلت الذهاب للتفكير في الأمر و ربما مناقشته مع أصدقائي الألمان. في واقع الأمرلم تكن شكوكي في محلها لأن الكثير من المحلات تمنح ما يشبه بطاقات عضوية لزبائنها من أجل توفير الأمان والإطمئنان لضيوفها. كما أن بطاقة العضوية تمنحك امتياز شراء المشروبات بأثمان أقل. ذهبت الى البيت و نسيت الموقف نهائيا. لم تمض إلا أشهر قليلة حتى فأجأتنا الجرائد بحوادث عنف في تلك المنطقة جرى فيها تبادل لإطلاق النار بين العصابات المتنافسة التي ينتمي إليها حراس المحلات و الملاهي الليلية على بعضهم البعض. بالنسبة لي شخصيا، استغربت كثيرا لكون المكلفين بحراسة و تأمين المحلات، الذين يبدو ان اغلبهم اجانب، هم أنفسهم الذين تسببوا في أعمال العنف المسلح و حمدت الله سبحانه و تعالى أني لم أذهب إلى هناك بعد تلك الليلة. قامت الشرطة بإجراء تحقيق دقيق و اتخذت إجراءت مشدَّدة تمنعُ اصطحاب أي نوع من الأسلحة بما في ذلك السلاح الأبيض عند الدخول إلى تلك المنطقة من المدينة.
رغم هذه الحوادث و غيرها مما تنقله وسائل الإعلام من وقت لآخر، لا يجب أن يتكون الإنطباع أن المانيا بلد للجرائم، أو أن الألمان جيمعهم يكرهون الأجانب. المانيا دولة آمنة و قوية جدا، وأهلها مسالمون. كنت دائما دائما استغرب عندما أشاهد أشخاصا أجانب، خاصة من البلدان العربية و الإسلامية، لم يمض على دخولهم المانيا إلا وقتٌ قصير و لا زالوا لا يتحدثون اللغة بشكل جيد، و مع ذلك يظهرون في التلفزيون و يناقشون الشؤون الألمانية و يوجهون الإنتقادات إلى نظامها و ديمقراطيتها. كان الأجدر بهم أن ينصِتوا بأدبٍ و تواضعٍ وهدوء لأهل البلاد و يتعلموا منهم. يقول مثل الماني أن: المياه الهادئة عميقة.
أثناء زيارتي للنمسا قبل عامين تقريبا، التقيت سيدة المانية من بريمن، صديقة للشعب الصحراوي، اسمها "ريجينا" اتت لزيارة صديقة مشتركة نمساوية تسكن في فيينا استدعتنا للعشاء بعد مشاركتنا في حفل نظمته جمعية الصداقة النمساوية بمناسبة تأبين الرئيس الراحل، محمد عبد العزيز، و حضره اصحاب السعادة سفراء كل من الجزائر و كوبا و جنوب افريقيا المعتمدين في فيينا.
بعد العشاء ودعتُ ريجينا و عبرت لها عن أسفي و شعوري بالألم والحزن بسبب حوادث التحرش التي جرت في احتفالات رأس العام في كولونيا و بعض المدن الألمانية الأخرى والتي شوهت صورة العرب والمسلمين والمهاجرين، خاصة أني اعرف الطبيعة المتسامحة و المنفتحة للسكان في تلك المناطق بالذات.
ريجينا شكرتني و قالت بأدب و شيء من الدبلوماسية أنه لا داعي للقلق، فالناس هناك لا يزالون على طبيعتهم المعهودة.