- أوقظوني عندما تنتهي-

نادية خلوف

2018 / 9 / 29

عن سورية التي أعرفها
أود أن أكتب شيئاً من الذاكرة، باعتباري عايشت الفترة الأسدية، وما قبلها ، و أتحدث عن سورية التي عرفتها، فهناك أكثر من سورية داخل سورية. أدّعي أنني أتحدث عن مرحلة كان الشعب السوري فيها يتوق إلى الحياة في خمسينيات القرن الماضي .كانت الأحزاب السياسية قد بدأت تنتشر أكثر وربما جميعها كان هدفها الخروج من القوقعة، لا يمكن أن تعرف أهداف الحزب الذي تنتمي له وأنت دون السادسة عشرة. أمضيت في العمل السياسي أكثر من عشرين عاماً بدءاً من السبعينيات ، ثم تركته. وعندما أجلس مع نفسي وأسألها من أجل ماذا كنا نناضل؟ أجيب: كنا نكرّر أنفسنا، ونتشرد في سبيل لا شيء . عفواً أنت ليس أنا، فقد لا تكون كذلك.
السوريين الأبرياء
لروح جميع الذين قضوا على يد الدكتاتور السّلام. ولروح جميع المجندين في الدرك الأسفل من الرتب العسكرية السلام.
لا أعتقد أنّ الجندي الذي انتسب للقوات المسلحة كان هدفه الموت، أو القتال. لا ضد إسرائيل، ولا ضد أحد. ذهب كي يكون له راتب يستطيع أن يساعده على العيش والزواج، وبناء أسرة، وحتى الضباط تطوّعوا لهذا السبب إلا ما ندر، ومع التدريب المستمر على العسكرة. تغير الطموح، وأصبح الجندي لا يعرف ماذا يفعل. لروح الجنود الذين قضوا السلام. سواء قتلوا في معارك وهمية مع إسرائيل، أو في السبع سنوات الأخيرة، فكلنا نعلم أنّ التجنيد ملزم ومرغم لكل فرد، ولا أحد يستطيع مخالفة الأوامر، كما أن المليشيات أشد إجراماً كون أفرادها يعرفون أنهم ذاهبون إلى القتل.
السجناء السياسيون أبرياء
السجناء سواء كانوا بعثيين، قوميين، شيوعيين أو وإخوان مسلمين أبرياء لأنه لم تثبت إدانتهم وفق محكمة مختصّة ، والمتّهم بريء حتى يدان. ، لكن ربما كان السجن بعد الثورة السّورية هو أقسى من الموت، والكثير من السجناء سلّموا أرواحهم تحت التعذيب، والبعض منهم أراد أن يموت، وهنا سوف أتحدث عن إرادة الموت التي قرأت عنها، وعندما فسّرت موت بعض السّجناء رأيت أن بعضهم مات لأنه أراد أن يموت كي لا يستمرّ عنده الشّعور بالمهانة ، وهذا يحدث في الحروب والكوارث أن البعض يفضل الموت ليس انتحاراً.
إرادة الموت
يقول جون ليتش ، وهو باحث كبير في جامعة بورتسموث في المملكة المتحدة ، إن دراسته أظهرت أن "التخلي عن الحياة " هو حالة طبية حقيقية.
الموت النفسي هو حقيقي. إنه ليس انتحارًا ، إنه ليس مرتبطًا بالاكتئاب ، ولكن فعل التخلى عن الحياة والموت ، عادة في غضون أيام ، هو حالة حقيقية جدًا غالبًا ما تكون مرتبطة بصدمة شديدة.
يقول جون ليتش: خلال الحرب العالمية الثانية ، عندما تم نسف سفينة شحن وغرقت في بحر الشمال ، تمكن بعض أفراد الطاقم من الفرار من السفينة الغارقة. أبلغ أحد الناجين عن حادثة غريبة حدثت معهم :

كان هناك سبعة منا على الطوافة ، لكن الضابط الثالث توفي قبل حوالي ساعتين من العثور علينا. كان شديد اليأس ، ويسير نحو النهاية .
في حالة أخرى ، بدأ أسير حرب أمريكي في فيتنام وصفه زملائه بأنه "أقوى رجل في البحرية" ، وأصبح أكثر انفصالاً عن العالم المحيط به. قبل التسليم أخيرا ، كانت كلماته الأخيرة: "أوقظوني عندما ينتهى الأمر"

وقد تم تبني مصطلح "التخلي عن الحياة " من قبل ضباط طبيين خلال الحرب الكورية (1950-1953). لقد وصفوها بأنها حالة يتطور فيها الشخص إلى حالة من اللامبالاة الشديدة ، ويتخلى عن إرادة العيش ويموت ، على الرغم من عدم وجود سبب مادي واضح.
هؤلاء الناس ليسوا مكتئبين عندما يتم التحدث إليهم ، يستجيبون بعقلانية وبشكل مناسب ، ولكنهم يعودون إلى حالة إرادة الموت.
يقول جون ليتش أن هناك خمس مراحل من الاستسلام
أولا : ينسحب الفرد اجتماعيا. ينخفض مزاجه ودوافعه، ويبقى قادراً على التفكير.

المرحلة الثانية : تتسم باللامبالاة العميقة .

المرحلة الثالثة : مرحلة الأبوليا. و هو مصطلح نفسي يعني فقدان قوة الإرادة أو عدم القدرة على التصرف بشكل حاسم. في هذه المرحلة ، غالباً ما يتوقف الشخص الذي يتخلى عن الحياة عن الكلام ، والعناية بنفسه بشكل عام.

المرحلة الرابعة : الشخص يقترب الآن من النهاية. لم يعد يشعر بالألم والعطش أو الجوع ، وغالبًا ما يفقد السيطرة على أمعائه
يبدو أن الشخص يصنع تعافياً خارقاً قبل الوفاة . لكنه انتعاش كاذب. المفارقة هي أنه في حين عاد بعض السلوك الموجه نحو الهدف ، فإن الهدف نفسه
يبدو أنّ التخلي عن الحياة هو المرحلة الخامسة.

الضحية التي تتخلى تعتبر نفسها مهزومة ، ويمكن النظر إلى الموت على أنه وسيلة للتحكم في الوضع المجهد الذي لا مفر منه. وبعبارة أخرى ، يمكن تجنب الإجهاد الصادم المستمر من خلال الاستخدام الاستراتيجي للموت. إنه الموت كآلية مواجهة.
لن أدخل في التفاصيل الطبيّة لأنّني غير متخصصة في ذلك.
إرادة الموت في سوريّة
أعتقد أنّ الذين فقدوا عوائلهم، وقتل أبناؤهم سواء في السّجن أو على الأرض يفكرون بمواجهة الواقع بإرادة الموت، فذلك الطبيب الذي قتلت زوجته وأولاده قد يستسلم لتلك الإرادة، وحتى تلك الأم من الساحل التي استلمت جثتي ابنيها، وقالت أنه لا بأس أن يكونا فداء للأسد قد تستسلم لتلك الإرادة فتلك الصدمة لن تجعل منها إنساناً متوازناً. قد يصمد بعض السجناء أمام الجلاد ولا يموتون، لكنهم يعتبرون أنفسهم في عداد الأموات، وربما لن يتعافوا، وربما الكثير منهم استسلم لإرادة التخلي عن الحياة. الأمر ليس بسيطاً. حتى ظروف الحياة على الأرض حيث أمراء الحرب من كل حدب وصوب تسلب الإنسان القدرة على الحياة.
أزعم أنّني استسلمت يوماً لإرادة الموت تلك، وربما وصلت للمرحلة الثالثة فقط، ولم أكمل جميع المراحل، فعندما يحاصرك المجتمع ليس من أجل شيء سوى لكونك مختلفاً، أو ضحية بشكل يستطيع فيه أن يجبرك فى اتّخاذ قرار بالعزلة فإنّك في الطريق إلى اختيار طريقة التخلي، وقد وصلت في فترة إلى الطريق المسدود حيث التهميش والاستفزاز، والتنمر. قد لا يكون من المحيط كله. بل من أكثره.
تراجعت عن ذلك القرار الذي أدركت الآن فقط أنّ عقلي الباطن كان قد اتخذه، ونجوت من خلال مغادرتي سورية قبل أكثر من اثنتي عشر عاما حيث كانت أوّل مقالة لي بعدها: سورية بلد غير قابل للعيش فيه، وأتاني وابل من الشتائم على نفس المقال، فكلما كتبت مقالاً عن الفقر. شتموني بالتعليق، ووصفوني بأنّني تنكّرت للطبقة. لأنّني أعيش في الخليج ، وحتى عندما كتبت مقالاً فيه بعض الطرافة عن أغنية عقربة صدري، وكيف رقصت الفنانات السوريات بعقلية داعرية-من الدعارة- عليها على موقع كلنا شركاء في عام 2010.أتى التعليق من ابن مدينتي. قال: بالحرف الواحد : " الكاتبة لا تعرف وين الله حاططها"، وتحدث عن الفن والثقافة في عقربة صدري، والحاصودة. لكنني كنت خارج سورية ، وأشعر بالغبطة عندما يعلق البعض بتلك التعليقات، وأقول لنفسي: ما دمت لا أعجبهم فأنا على الطريق الصحيح.