كمال الجنزوري …. فارسُ البسطاء

فاطمة ناعوت

2018 / 9 / 20


فاطمة ناعوت
Facebook: @NaootOfficial
Twitter: @FatimaNaoot

“الفارسُ"، يحتاجُ إلى دِرعٍٍ تحمي صدرَه وتذودُ عنه السِّهام التي تُصوَّب نحوه من نِِبال العِِدَى. لكنّ ثمّة فارسًا، من نوع فريد، لا يمتشقُ سيفًا ولا يتدثّرُ بدرع، ذاك أنه بلا أعداء. يتدرّعُ بالحبِّ والهتاف والتصفيق يحوط به من كلّ جانب، أينما ترجّل وحيثما جال. أعرفُ فارسًا من ذلك النمط الفريد. التقيتُ به في مكتبه البسيط الأنيق، الذي في بساطة قلبه وأناقة عقله. فسجّلَ التاريخُ لي أن القدرَ الطيب قد منحني مصافحة رمز إنساني وقيمة علمية وسياسية من نسيج خاص، لا يُمنحُ للأوطان إلا كلّ دهور، بشقّ الأنفس.
ولماذا بشقّ الأنفس؟ لأن شجرةَ الأقدار الكريمةَ قد تجودُ أحيانًا بالدُهاة ذوي العقول الجبارة، وقد تجودُ أحيانًا بالطيبين المتحضرين ذوي القلوب الرؤوفة. لكنها تغدو شحيحةً حين تقرّرُ أن تصنعَ المعادلةَ الفريدة، فيقترنُ الدهاءُ الفكري والسياسي مع التحضر والسموّ والطفولة القلبية. مثل ذلك النموذج البشري النادر، لا يعرفُ الدروعَ ولا الحراسات المشدّدة في الترحال، رغم ما يفرضُه بروتوكولُ المنصب الرفيع. وكيف يحتاجُ ذلك الفارسُ إلى درع، وهو يمنح زهورَ عقله، لصالح خير الوطن، ويمنحُ زهورَ قلبه لصالح بسطاء الوطن؟! لهذا يُجمعُ الناسُ على حبّه. وحتى الخصومُ الذين تتعارض مصالحُهم الانتهازية مع زهور العقل الذكي والقلب النظيف، لا يملكون إلا أن يحترموه، وإن خسِروا بسببه، وبارت بضاعتُهم الفاسدةُ أمام فروسيته.
في لقائي الأخير بذلك الفارس العظيم، في مكتبه بالدور الثاني من الهيئة العامة للاستثمار، سألني عن آخر كتبي وعن أحوال الدنيا والثقافة. وتشعّبَ بنا الحديثُ حول بسطاء الناس وهمومهم. وتذكّرتُ دورَه المشرّف مع طوائف الشعب المهمّشة، منذ كان وزيرًا للتخطيط ومرورًا بترؤسه لوزارات مصر وتنقله بين المناصب الرفيعة وصولا لأن أصبح أيقونة مصرية غالية مُتوّجًا بلقب (وزير الغلابة). قلتُ له إن البسطاء في بلادي لا ينسون أنهم كانوا في بؤره فكره، على مدار عقود طوال تنقّل فيها بين رفيع المناصب السيادية، ولم يتحوّل نظره يومًا عن هموم الفقراء والمُعوزين. وأخبرته أن مرافقي الشخصي من فريق عملي، حين علم أنني على موعد معك، ظلّ طوال الطريق يتحدث عنك وعن مواقفك الكريمة مع بسطاء مصر. وأنه شدّد عليّ في أن أنقل لك حبَّه واحترامه، لأنه لا يحلُم أن يلتقي به شخصيًّا في يوم من الأيام. فما كان من الفارس الكريم إلا أن ضغط الزرَّ وطلب من مدير مكتبه أ. خالد العدوي، أن يأمر بصعود "جورج" الذي كان ينتظرني بالأسفل، إلى مكتبه. ولَم يصدِّق "جورج" وقد وجد نفسَه فجأةً أمام هذا الهرم المصري الشاهق، الذي نهض من مقعده وصافحه ثم عانقه وقبّله قُبلةً الصديق للصديق. ثم سمح بأن نلتقط له صورة معه. بعدما خرج "جورج" من المكتب قلتُ: "أشكرك كثيرًا يا دكتور كمال. تلك القُبلة سوف يدومُ ذكراها في حياة ذلك الرجل، وسوف تُخلّد في ذاكرة أبنائه. فقال لي: “تلك القُبلة وذلك الحبُّ هما زادي وثروتي، وليس المناصب الرفيعة.”
ذلك الرجلُ النبيل الذي كان يسرد ويشرح ميزانية الدولة بكل دقّة، دون أن ينظرَ في أوراق، لأن اقتصاد مصر وصالحها كان ويظلُّ همًّه الشخصيّ، المحفورَ في عقله، مثل أسماء أبنائه، هو ذاته الرجلُ الذي إن خرج من مكتبه مشغولَ البال، فتذكّر فجأة أنه قد نسى أن يُصافح مدراءَ مكتبه وطاقم السكرتارية وموظفيه، عاد أدراجه معتذرًا وألقى عليهم سلام الوداع، ولا ينتظر إلى صباح الغد، ليفعل.
في عام 1917، أنشأ الملك "جورج الخامس" وسامًا رفيعًا يُكرّم به الرموز الوطنية التي ساهمت في منح بريطانيا مجدَها. “وسام الفارس"، الذي منحته الملكة إليزابيث عام 1966 للسير د. مجدي يعقوب الأيقونة المصرية الفريدة وملك القلوب. وأما شعبُ مصرَ العظيم، فقد منح الدكتور كمال الجنزوري "وسام الفارس النبيل" من الطبقة الإنسانية الأولى؛ ليصبح "فارس البسطاء"، وحامي حماهم.
د. كمال الجنزوري، أحبُّك وأحترمُك. وأعتزُّ كثيرًا بأن بعض كتبي لها مكانٌ في مكتبتك، ومكانةٌ فِي عقلك المثقف، وفي قلبك الاستثنائي الجميل. دمتَ هرمًا من أهرامات مصر الفكرية والسياسية والمجتمعية والإنسانية، وهذا أبقَى وأخلد.

***