من قتل الموت في بلادي ؟!

علي مفتاح

2018 / 7 / 10

علي مفتاح

و ها قد حل من جديد موسم الحج الى السجون ، نقتلع ما تبقى من ضلوعنا التي تآكلت بفعل الخيبات المتتالية ، الكل مطالب ان يتبرع بضلع من أجل تشييد أكبر معلمة سجنية سيعرفها التاريخ ، الكل مطالب أن يخيط كفنه و أن يقوم بتغسيل جسده فحج بيت السجن الحرام لا يتكفل بالدفن ، خذوا حذركم يا دعاة الكرامة و الحرية فالمقام له قدسيته ، اسألوا الظلام و وأد الأحلام عن تاريخنا الطويل في الكوابيس و صناعة أحلام اليقظة لشعب ظل يردد نشيده الوطني حبا في وطن " منبت الأحرار " ، يرسم في بيته ،تمثال الحرية بأقلام ملونة ، يردد في دواخله كل الاشعار التي تمجد الانسان و حرية الانسان ، لكن مراسيم الحج الى بيت السجن الحرام لا تعترف بالشعر و هو يغازل الحرية ، ضاجع زوجتك للمرأة الأخيرة و اهمس في خليجها للمرة الأخيرة أن المعتقل يخلق التوازن ، فلا يعقل أن نحكمكم دون معتقل ،فلا يعقل أن نحكمكم دونما اعتقال ، و بشكل جماعي قررنا ،نحن الموقوع على شهادة موتنا الجماعي، أن نقصد حج بيت المخزن الحرام مشيا على الأرواح ،و على ظهورنا التي تقوست بفعل الانحناء لكل الآلهات الأرضية كتبنا بنقر عظام الشهداء :" لبيك يا معتقل لبيك ، لبيك لا شريك لنا في المآسي لبيك " .
كيف لنا أن نمشي خلف هذا الظلال التي تتقن فن السياسة ، يجيد لعبة الألوان و المساحيق ؟ كيف لنا أن ندق في الصدر و نقول للقلب : لك الحق أن تتألم في صمت رهيب ؟ فمن في استطاعته أن يجادل في أمر صمتنا الأزلي ! لقد كنا و لازلنا خير أمة أخرجت لليأس ! أخرجت لكي تعيش الحياة صمتا ، و الصمت حياوات ، أوقفوا جرعات التناسل التي تسكنكم ، فزيارة بيت المخزن الحرام لا يقبل فيها أن تعصر نهد حبيبتك و تنفخ في جسدها روح التناسل و التكاثر ، فالمقاطعة يجب ان ترقى الى مستويات أكثر نجاعة ، مقاطعة تفريخ أفواه أخرى سيقدر عليها أن تمارس حياة الصمت و الانضباط داخل الطابور الطويل المؤدي الى بيت المخزن الحرام ، يكفيهم أعدادنا و تكفيهم ظهورنا التي استعذبت السياط ،و أصبحت تجيد لعب الصمت مع طاعة الأوامر .
أيها القادمون من هناك الى هنا ، أنتم الذين تأتون من كل فج عميق ، ادخلوا بيت المخزن آمنين ، و اركعوا مع الراكعين لرب بنى لكم بيتا يأوي العصاة منكم ، يعلمهم كيف أن طير أبابيل نسي فن الطيران ، و أن أصحاب الفيل تنكروا للفيل و أغرتهم الفيلة بقوامها و حسن تدبيرها لأوراش اللذة ، و أن السنوات العجاف نحن نوزعها بالتساوي حسب العرق و الجنس و المناطق ،غدا ننزل ضيوفا على النسيان ،فلا الأطفال المغتصبون سيذكروننا ، و لا شهيدات حفنة الدقيق المعجون بالذل سيذكرننا ، و لا شباب الريف ، فقط صناع الحيف و الزيف من سيأتون على سيرتنا ، و سيعظمون من شأن صمتنا . فلا مفر من حج بيت المخزن الحرام ، أكثروا من دعاء الوداع و النوافل لرب القوافل التي تمشي وفق مشيئته ، و أكثروا من التعظيم و التبجيل لرب أرضي سخر نفسه و حاشيته لوضع قوانين الانضباط للطير و البهائم و البشر .
و ها قد أعلنا وفق الأحكام و قتل الأحلام ، ميلاد جيل جديد يطوف حول المكعبات السجنية بإحرام الدوائر و قوانينها المنصوص عليها في النظر و السمع و التنفس ، فلا الجمرات أدت وظيفة الردع لشيطان أسري به بلا معراج من كرسي اقصى الجرح الى كرسي أدنى من المذلة أو أكثر ، جيل سمع الأحكام و أقبل عليها بصدر عار لعل الفصول و المساطير تجد طريقها لوشم أخذ لون الظلم منقوشا على صفحات التاريخ قبل أن ينقش على صدر المحكومين ، فرب المكعبات لم يقبل تيممهم و أبقى على تهم النجاسة و بطلان وضوء مصدره دموع الفقراء .لكم أن تحلموا بالاغتسال من مرفق العمر الى كوعين آخره ، فالوادي المقدس لم يعد يحمل الثوار الى قلب بيت فرعون ، و حتى البئر تواطأت مع الإخوة كي يبقى جميل الوجه يحصي بشاعة المآل ، و الصابر أيوب تخلى عن صبره لفائدة فتية أنهكهم السير على حبل من مسد ، و يسوع لم يصلب كما صلب الفتية في قاعة محكمة امتلأت عن أولها بقاض موكل من الواحد الأحد، و عن آخرها بحب الوطن و عشق هذا البلد .
لك ايتها المحكمة أن تقدي أقمصتنا المهترئة من دبر ، لك أن تراودينا عن أنفسنا ، و لنا كذلك أن نمنحك أجسادا برؤوس أكلت الطير منها ما شاءت من إنسانيتها من كرامتها و من حريتها ، لنعش السنين عجافا ، و لنوف الكيل لفقر في القلب و الروح علم فقر البطن ما لم يعلم ، كل الأرصفة اشتهاء محفوف بخطر العودة لأرض ميعاد ،كنتم قد كتبتموها لنا بالرصاص في كراسة أسميناها مجازا " كتاب التاريخ " ، لا .. عفوا " كتاب التوبيخ " ، خطاب حجة الوداع تنفذ كلماته من ثقب الجمجمة ، تستحضر فتوحات " عمر " عندما طعن القاتل بصدره ، فمات السكين ، و تستحضر غزوات " المهدي " ، حينما اختطف لوحده كل أجهزة مخابراتكم ، و قتلهم جميعا رميا بالمواقف ، و مازالت حجة الوداع تستحضر وجوها كانت قد استظلت بأرض و تربة " منبت الاحرار " ، مات الماء حينما أعدمتم الهواء ، فكان لزاما على كل الأحرار أن يأتوا من كل جرح عميق بإحرامهم أو عراة ، فحج بيت المخزن الحرام لا يقبل بربطة العنق و لا البذلة الرسمية ، خذوا مكانكم فالمقصلة خلاص ، سيما أن ضلوعنا التي نزعتموها لبناء سجن يدعى الوطن ، لم تعد قابلة للترميم .