هذا ما تعلمنا

صليبا جبرا طويل

2018 / 7 / 8

كل شيء نسبي، والتعميم خطأ الفاشلين. ان لم
نتعظ من خطأ ما تعلمنا، سنبقى عبيد وأسرى
بأيدي من يتلاعبون بمصائرنا ومستقبلنا.

تعلمنا لا تكذب...كبرنا فقيل لنا ان الكذب ملح الرجال، وتبين لاحقا ان الكذب له انواع والوان، ويظهر بأطياف السياسة، والدين، والتربية، والمعاملات التجارية، والمؤسسات في الاسواق ولا يخلوا منه أي مكان.
تعلمنا لا تزني.. وبتنا نرصد تحركات كل انثى وذكر ونتلصلص عليهم من أخسسهم الى اشرفهم، وننشر اشاعات، ونلوك، ونمضغ سيرتهم بالكلام. وتحول الزنى من اللسان الى الغمز بالعين، والإيماءات باليد دون احترام لإنسان.
تعلمنا لا تسرق.. وجدنا السارقون المحترفون يحترمهم ويحميهم القانون، لان ايديهم نظيفة لا تمتد على اموال المواطنين، بل على اموال الوطن بسكينة وبهدوء، دون تدخل رقيب، بينما يضبط بالجرم السارقون الصغار متلبسين في معظم الاحيان.
تعلمنا المحبة... فربطنا المحبة بالجنس، والبغاء، واضعنا قدسية المفهوم ولم ندرك ان المحبة قاعدة واساس متين يقام عليه كل بناء انساني سليم ترتبط به معظم - ان لم يكن كل - علاقاتنا البشرية العصماء.
تعلمنا ان نكره... فكل من ليس معنا فهو ضدنا، حتي لو كانت الامور تافهة، تعلمنا ان نكره الاخر وننعته بنعوت لا تليق بحسن الجوار، ولا بالعلاقات، والاختلاف في الفكر والعقيدة سمة غير شريفة أشبه بأنثى غير عذراء.
تعلمنا اننا الافضل بين الامم وشعوب العالم.. لم نبحث لماذا؟ تقبلنا كقطيع مطيع لراعينا، نسير يمينا ويسارا بإشارة تصدر لا من عقله بل من عصاه.
تعلمنا اننا بناة الحضارة الانسانية... اقتنعنا ولم نبحث عن هوية وفكر واصول من قدموها، صدمنا لأننا كنا في الماضي ولم نجد دليلا واحد منذ قرون على حضورنا في قائمة الحضارة المعاصرة، سكتنا كالبكماء.
تعلمنا ان نخفي عورتانا... وأن لا نكشف عن امور اسرارنا، وضعفنا امام العدو والصديق، اكتشفنا ان اعداؤنا اكثر منا معرفة بخفايانا وبأسرارنا، وظهرنا امامهم جهلاء.
تعلمنا ان النظافة من الايمان... لكننا وجدنا ان اكثر من يلعنون البشر، هم عاملي النظافة في الشوارع والاسوق والملاعب والمدارس.
تعلمنا ان نكون ذئاب، وان المجتمع غابة، الصراع لا مكان فيه الا لقانون الاقوياء.. انتكسنا على ما جلبه الغرب، والاستعمار علينا من شقاء.
تعلمنا ان المرأة ضلع مكسور... استقوينا كذكور على النساء، اذهلننا الرائدات الماجدات بأفكارهن وشخصيتهن، النساء المستقلات في الشرق والغرب أغنين الحياة، ليتألق فيها الكثير الكثير من الابداع والعطاء.
تعلمنا ان الدين معاملة... فوجدنا ان معظم الطوائف تتهم غيرها بالمروق، وسوء المعاملة، وعدم افضليتها، وكذب حقيقة رسالتها، والوقف ضد بعضهم في العلن وفي الخفاء.
تعلمنا ان سادة القوم وجاهتهم، هم الاغنياء اصحاب راس المال، وان الفقراء ولدوا ليبقوا فقراء، لم يدركوا بؤس فكرهم وكارثيته الا ان تبين لهم ان الاصرار في التقدم والارتقاء لا يأتيه الا الفقراء.
تعلمنا ان العمل الصالح، والعطاء طريقنا للسماء... ادركنا تفاهة هذا الكلام عندما سبقه مصوري وسائل الاعلام. فاليد التي تأخذ خير من التي تعطي، أن فعل الخير ستره لا يؤتى الا بالخفاء.
تعلمنا ان المساعدات لا تعطى الا للمحتاجين والمشردين... لكنها وجدت مكدسة اما بيوت تجار المصائب يعملون على بيعها دون رحمة كأنها رزق لهم منحه رب السماء.
تعلمنا ان الاطفال اكبدنا.. الحب والحنان ضروريان لتربية سليمة، لكن في اللحظة المؤلمة الحرجة، حسموا موقفهم واعترفوا بقسوتنا عليهم. أليسوا احفاد مجتمعات مريضة ما زالت تؤمن بأن العصى لمن عصى خير داء.
تعلمنا ان الوطن اولا وثانيا ... وللمرة المليون ملك لجميع مواطنيه يحميهم ويجمعهم كدجاجة تجمع فراخها خوفا عليهم، لنكتشف أنه مزرعة لبعض المتسلطين المنتفعين من مسؤولين وحكام.
تعلمنا ان القدر مقدر علينا... أمنا، قبلنا ورضينا بوضعنا، وكم كانت المفاجأة عظيمة عندما علمنا ان من يكتبه ويسقطه علينا حفنة يبحثون عن عبيد يسيروهم خدام.
تعلمنا ان القناعة كنز لا يفنى... فكانت حسرتنا كبيرة امام جموع الشعب الساعي في بحثه عن عمل، ولقمة عيش في وطن يحبه وأحبة، بينما هناك فئة تعيش في بذخ لا يردعها قناعة، طمعها في الكسب يجاري كنوز سليمان.
تعلمنا، وتعلمنا، وتعلمنا الكثير، القائمة طويلة...لا تظنوا كشف العورات خطيئة، بل نعمة يكسبها كل محب للعدالة، ولرب السماء.