حديث عن ديمقراطية المواطنة وشرعية الحقوق

فهد المضحكي

2018 / 6 / 23

لا يكتسب الانسان صفة المواطنة الا ضمن اطار الدولة ولانتقال من وضعية الفوضى الطبيعية إلى الحالة المدنية ولا يصير فرداً يمتلك جملة من الحقوق ويحترم قيم العدالة الا في اطار سيادة الدولة، وكأن الفرد دون مواطنة هو كائن بلا انسانية ودولة دون سيادة هي كيان بلا وظيفة ودون نجاعة، ولذلك استوجبت النظم الديمقراطية احترام العدالة الاجتماعية وتوفير الحقوق الاساسية للمواطنين.

هذه المقدمة لدراسة عنوانها «ديمقراطية المواطنة وشرعية الحقوق» للدكتور زهير الخويلدي المهتم بالشأن الاجتماعي والفلسفي.

هل يكفي ايجاد نظام ديمقراطي في دولة ذات سيادة لكي يتمتع معظم الافراد بصفة المواطنة؟ ما هي شروط قيام الديمقراطية في الدولة؟ هل هي توفير المواطنة بالحق أم حماية السيادة بالقوة؟ الا يعود تفشي الاستبداد والظلم وانتاج الفوارق الاجتماعية إلى الحوكمة السيئة للموارد والثروات؟ وإلى أي مدى يتطلب اعطاء الحقوق للافراد ايجاد آلية تسهر على توفير مطلب العدالة الاجتماعية؟

في مقابل هذه التساؤلات يجزم ان الرهان الذي يمكن استهدافه من خلال دراسة هذه الاشكاليات يتمثل في تفادي كراهية الديمقراطية والتخلص من العوائق التي تحول دون تجسيدها على أرض الواقع والسعي لتحقيق الموازنة بين حقوق الاغلبية وحقوق الاقلية واعطاء الفرد منزلة لائقة.

وتظل – في راية – المهارة التربوية التي تبقى موضوع اشتغال في الساحة الحقوقية مرتبطة بتنمية الشعور الوطني وتعزيز قيم التعاون والتكافل والارتقاء بالروح التشاركية وتثمين العقل الجمهوري والذكاء الاجتماعي وربط الهوية الفردية بالذاكرة الجمعية والتراث القومي

خلاصة القول ان السياسة المدنية تنظر إلى ان قيمة الفرد أعلى من قيمة المؤسسات المحيطة به.

لان الفرد هو الغاية التي وجدت من أجلها الدولة وليس العكس، كما ان المثل الأعلى للسياسة العادلة هو تحرير الفرد من كل الضغوطات والاكراهات وتحقيق استقلاليته وانعتاقه من كل اشكال الاغتراب وتنمية نشاطه الذاتي وقدراته على الابداع والخلق وتحميله مسؤولية وجوده ومراهنة على ضميره الجمعي.

وفي إطار السيادة بين الحكومة والشعب يتحدث معلقاً إذا كان السيد يعني ما هو تام وأولي ومطلق في نوعه ولا يقبل بالتالي ان يكون محدوداً من أي جهة كانت ولا يتم استنقاصه وتجزئته وإذا كانت السلطة الحاكمة هي السيدة على الهيئات والتي تتحكم في كل الاجهزة والتي تمسك بيدها كل القرارات وتقوم بالتنفيذ بنفسها، فان فكرة، السيادة تدل على التحكيم التام والسلطة المطلقة وتشير إلى القرار النهائي الذي تختص به الدولة دون غيرها.

وبالتالي ماذا تكون سيادة الدولة؟ هل هي من نصيب الشعب أم من اختصاص الحكومة؟ وما المقصود بالشعب؟ وما هي العناصر التكوينية للحكومة؟ ولماذا يتم التفريق بين سيادة شعبية وحكم مركزي؟

وفي مقابل ذلك يتساءل ما الفرق بين الوطنية والسيادة الشعبية؟ وكيف يختلف وجهها الداخلي عن وجهها الخارجي؟ وإذا كانت السيادة الوطنية كما يتصورها هي المبدأ الذي تنتمي من خلال السيادة إلى الوطن والذي يمثل عنصراً جماعياً موحداً غير قابل للقسمة، وهذه السيادة لا تمارس الحكم مباشرة وانما بواسطة نظام تمثيلي، فان السيادة الشعبية هي المبدأ الذي تنتمي من خلال السيادة إلى الشعب.

وعلى هذا الاساس انه من المنطقي ان تكون السيادة جهازاً حكومياً يمتلك سلطة على المساحة الداخلية التي ترسمها حدودها وعلى المساحة الخارجية التي تنظم علاقاتها مع الدول الأخرى، لقد بَيّن «جون بودان» السيادة هي ماهية الجمهورية وشكل الدولة.

في حين اعتبرها «جون جاك روسو» النقطة التي يلتقي فيها الخضوع مع الحرية وتمثل فيها الارادة العامة ماهية الجسم السياسي واللحظة التي يكون فيها المواطنون الوعي بضرورة الدولة وواجب المواطنة وحاجتهم إلى سلطة تمنحهم حقوقهم.

اما من حيث مفهوم الشعب فانه يرى هو الجماعة العرقية واللغوية التي حافظت على خصوصيتها الوجودية وعلى روحها الخاصة من انقلابات التاريخ (جوليان فروند).

هذه الجماعة ليست بالضرورة جماعة سياسية وذلك لكون شعب واحد يمكن ان ينتمي إلى دول متعددة ودولة واحدة يمكن ان تضم شعوبا متعددة.

ومن هذا المنطلق يصبح الشعب من منظور نفسي اجتماعي كتلة من الافراد تحركهم جملة من الدوافع الذهنية المشتركة والعوامل النفسية الجماعية وتجعلهم في تعارض تام مع النخبة التي تحكمهم تغلباً.

ويذكر هنا الفيلسوف «هوبز» الذي وصف الشعب بانه جسد الدولة مهما كان النظام السياسي الذي يحكمه ومهما كانت وضعية الافراد مواطنين من وجهة نظر دولة القانون أو ذوات خاضعة من وجهة نظر السلطة المطلقة.

في حين ذهب هيغل إلى حد القول بان الروح يتجسد في التاريخ عبر الشعوب المتعينة الخاصة التي تعد ضرورة للحياة الروحية.

اجمالاً يقول: «بعد ذلك تم التركيز على وظيفة الحكومة في المحافظة على مبدأ السيادة وفي مستوى احترام حق المواطنة ووقع التفكير في مطلب الكفاءة والاداء والاتقان إلى جانب التحلي بقيم العدالة والنزاهة والمسؤولية والضمير والحرص على حماية ممتلكات الافراد وصيانة المصلحة العامة».