قبلةٌ وسجن؟!

محمد صالح أبو طعيمه

2018 / 6 / 19

لماذا يُخضِعُ نظام الأمن تصرفاته حيال حدثٍ ما لتفاعل الناس مع ذلك الحدث؟
شابين في غزة، التقطت لهما صورةٌ أثناء تقبيل بعضهما البعض من الفم بطريقةٍ مثيرةٍ تنافي العادات والعرف السائد في غزة، ولكن الشاهد من الأمر أن هذه الصورة التقطت لهما بإرادتهما وأدل دليلٍ على ذلك أن أحدهم نشرها على صفحته عبر الفيس بوك وعلق عليها بما يشير إلى الإيحاء الجنسي في ظاهره، لكن الحقيقة قد لا تكون كذلك، فمعروفٌ أن المثلية عملٌ مرفوضٌ البتة في المجتمع العربي عموما وفي غزة التي تحكمها حماس من باب أولى، فكيف لهذين الشابين أن يفضحوا أنفسهما ويواجهوا تسلط المجتمع بأسره حيال هذا الفعل البعيد كل البعد عن أخلاق المجتمع، وفي مكانٍ عام من متنزهات غزة، وبتوثيقٍ للصورة، ونشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، ليلتقط أحد الفيسبوكيون هذه الصورة ويستغلها لعمل بلبلته وبروبجندا العيد بين الناس، وتبدأ الصورة بالانتشار ويرافقها التعليقات الغليظة "أين الأخلاق" "ضاع الشباب" "سلام على الدين والدنيا" وبعضهم أولها تأويل سياسي "سلموا غزة نكبتوها" "كلوا بسبب الحصار والجفاف لدى الشباب" نعم قبلة صديقٍ لصديقه هزت أركان المجتمع الغزي، لتتدخل أجهزة الأمن وتعتقل الشابين صاحبا الصورة وتنشر صورتهما مكبلين بالأغلال الحديدية، إلى جانب الصورة الأولى، ويعلق الناس "اعتقلوا الداشرين" والله وحده يعلم أي تهمةٍ سيتلقاها هذين، فلم تكون فعل فاضح في الطريق العام بطبيعة الحال، فالمثلية من الأمور المحظورة عرفًا وعادةً، ولكن الحقيقة أن ما خفي أعظم، ونكران الداء وسريانه، طبيعي جدًا بالنسبة للمريض، وهذا مجتمعنا بكل بساطة، فالناس ينكرون هذه الفعلة وقد يكون أبناءهم يمارسوها في بيوتهم مع أصدقاءهم الذين يزوروهم لساعات دون أن يعرفوا ماذا يصنعوا في الغرفة المغلقة! ولا ينبيك مثل خبير عن حجم القصص التي نسمعها عن هذه الممارسات الجنسية في المجتمع، ويتم التعمية عليها، وانكار حدوثها في مجتمعنا، ولكن للأسف كان هذان الشابان ضحية فعلهما الذي كان على أغلب الظن، فعل مزحةٍ وطيش بين صديقين، وكم من الصور المنشورة على صفحات الفيس للشباب يقبلون بعضهم فيها على الخدود، وهذه مثلها فللوهلة الأولى من يراها يظنها مزاحا وصداقة عادية، ولكن الهالة التي أخذتها تلك الصورة انحرفت بها عن التفكير الأولي البسيط إلى تفسيرات جنسية بحتة، تنم عن كمونِ ذلك الفعل في نفس مثيرها، وخذ عندك عشرات الإشاعات والأخبار عن صاحبي الصورة، حتى انتهى الأمر بخبرٍ مقتضاه: أن هذين الشابين صورا تلك الصور لصالح مؤسسة تتبع للاحتلال مقابل 1200-$- لتشويه صورة المدينة الفاضلة الغزية، وشر البلية ما يضحك، عندما سمعت أحد الشباب يقول: "ليتني أصل لهذه المؤسسة وسأجعل صديقي يغتصبني أون لاين، يا ترى كم سأجني من الدولارات مقابل ذلك؟!" لقد أخذت تلك الصورة أكبر من حجمها، في الوقت الذي تعاني فيه الناس مرارة الفقر والجوع والحصار وقطع الرواتب، وتمر فيه القضية بشكل عام في أسوء مراحلها من التصفية، تلتفت أنظارنا إلى صورةِ صديقين يقبلان بعضهما، ولنجعلها قضية الساعة.