عمالة الاطفال ....العبودية الصغيرة

محمد شنان كريم

2018 / 6 / 18

"أن الرأسمال المولود حديثاً ينزف دماً وقذارة من جميع مسامه, من الرأس حتى اخمص القدمين" كارل ماركس.
تعد ظاهرة عمالة الاطفال من حيث الانتشار , ظاهرة عالمية , اخذة بالارتفاع والانخفاض بنسب متفاوتة . وقد ظهرت عمالة الاطفال مع ظهور النظام الرأسمالي الذي يبحث عن الربح . ورغم سن القوانين التي تجرم عمالة الاطفال , الا ان هذه الظاهرة في ازدياد ملحوظ . فقد قدرت منظمة العمل الدولية عدد الأطفال العاملين دون سن 18 بـ 215 مليون طفل أغلبهم في القارة الإفريقية ومنطقة آسيا والمحيط الهادي. وأفادت دراسة جديدة للمنظمة بأن ما بين 20 إلى 30 بالمئة من الأطفال في الدول ذات الدخل المنخفض يتركون المدرسة للعمل قبل سن 15 عاما, وحسب إحصاءات نشرتها اليونيسف فإن واحدا من كل أربعة أطفال (بعمر أربعة إلى 17 عاما) في دول إفريقيا جنوب الصحراء هو طفل عامل., رغم ان هذا الرقم قد يكون غير دقيق , بسبب تبعية هذه المنظمات الدولية , والتي يمكن ان تعطي معلومات غير صحيحة لأسباب سياسية .
ويشتغل ملايين الأطفال ساعات طويلة من العمل، مقابل أجور زهيدة جدا. وتصل ساعات العمل في بعض البلدان العربية إلى 12 ساعة، ويشتغل أطفال دون سن 15 عاما سبعة أيام في الأسبوع. وتؤكد اليونيسف أن 90 في المئة من الأطفال العاملين في البيوت هم من الفتيات. وتنبه المنظمة إلى أن ملايين الفتيات القاصرات يكابدن ظروفا صعبة كخادمات للمنازل.
هناك عوامل وتصورات سطحية تتعلق بأسباب ظهور عمالة الاطفال , والتي يتناولها الاعلام والمؤسسات الحكومية , مثل تلك المتعلقة بالحروب والأزمات والكوارث الطبيعية وبالفقر وبالمستوى التعليمي والثقافي . ورغم ان هذه الاسباب تحمل بعض الواقعية , الا انه من الخطأ ان يتم تناولها على شكل احداث مجردة من العوامل السياسية والتوجه الاقتصادي .
حيث ان النهج السياسي لنظام معين هو العامل الاساسي المسبب لزيادة عمالة الاطفال , وهذا ما شاهدناه بعد احداث 2003, عن طريق ممثل الليبرالية الجديدة للرأسمال المتوحش امريكا, والداعمة لفتح الاسواق امام رؤوس الاموال , ومجيء جمع من الطفيليين البرجوازيين من الطائفيين والقوميين , الذين رهنوا البلاد بشروط صندوق النقد والبنك الدوليين والذين يرسمان السياسة الاقتصادية لهذا البلد او ذاك ضمن متطلبات الرأسمال العالمي . ومن ضمن بنود هذه الشروط هو تخلي الدولة عن رعايتها للمجتمع , عن طريق تقليل او رفع الدعم العام للمؤسسات والقطاعات التربوية والصحية والتعليمية والخدمات العامة , مما ينعكس بطريقة مباشرة على مستوى الدخل للفرد , بالتالي تضاف اعباء اقتصادية ومستوى معيش متدني للعوائل الفقيرة . ان هذه السياسة تخلق وضع يؤدي الى البطالة والفقر والاضطهاد, وفي ظل هذه الظروف القاسية التي تعيشها معظم العوائل من الطبقة العاملة وفي ظل هذه الاوضاع تقذف العوائل ابنائها من الاطفال الى سوق العمل , والتخلي مجبرين عن مقاعد الدراسة .
يتنوع عمل الاطفال في عدة مجالات مختلفة . فبعض الاطفال يعمل في الورش الصناعية والمعامل الصغيرة , والبعض يعمل في ورش ميكانيك تصليح السيارات , واخرون يعملون في جمع ورمي النفايات من الاماكن التي تفتقد لخدمات البلدية , والبعض يعمل في مكب النفايات التي يتواجد فيها الكثير من الاطفال والنساء , بحثا عن القطع المستهلكة من اجل اعادة تدويرها , ويعمل جمع من الاطفال في معامل صنع الطابوق , والافران والمخابز , والبعض يعمل في الاسواق كباعة جوالة لأكياس النايلون , والبعض منهم يتواجدون في تقاطعات اشارات المرور لبيع قناني الماء والمناديل الورقية, فضلا عمن يستغلون جنسيا.
وفي كل هذا فأن عمالة الاطفال والتي من المفترض ان يقوم بها عمال بالغين عاطلين عن العمل-وهم جيوش- الا ان ذلك يرجع الى ان اجور الاطفال متدنية ومعرفتهم بحقوقهم وقدرتهم على التنظيم محدودة او معدومة , الامر الذي يتيح للرأسمالي استغلالهم بأبشع صورة.
ان الثاني عشر من حزيران من كل عام هو يوم عالمي لمكافحة عمالة الاطفال , حيث تقوم المنظمات العالمية والمحلية , بتنسيق حملات توعية وتثقيف لمحاربة عمالة الاطفال , بالاشتراك مع المنظمات الانسانية والاتحادات والنقابات العمالية , الا انها تبقى محدودة رغم الجهود المبذولة . وتبقى الامكانية الوحيدة لوضع حد لعمالة الاطفال , هو القضاء على النظام الرأسمالي برمته , ذلك هو الطريق الوحيد للخلاص من البطالة والبؤس والقهر لملايين من المحرومين من الاطفال والكبار.