الاحتلال و العينة المنتظمة..!

مظهر محمد صالح

2018 / 6 / 9

الاحتلال و العينة المنتظمة..!


الكاتب:د. مظهر محمد صالح

13/8/2014 12:00 صباحا

وضاح مهندس كفء، ذو خبرة مذهلة في حياة مهنية استقرت معالمها الأساسية وترسخت رؤاها في تصرفاته اليومية وهو يعي قوة نفسه تماماً في مجال عمله كموظف قابض على زمام أمره في إدارته لشركة هندسية وطنية. ولا يتطلع الى المستحيل قبل أن يتوافر لديه المنهج الفاعل والجهد الحقيقي ليطلق سراحه في فضاء إنساني فسيح لا تطارده الأوهام الكاذبة أو الإحساس بتفاهة الحياة. كما تجد في وضاح أنامل الرحمة التي تلامس خواصه اينما حل واينما ارتحل.
إنه سعيد في حياته الزوجية وله ابنة في سن الدراسة الثانوية، متدين روتيني في مسيحيته، ذو جوهر لامع بالثقافة، كلما تلتقيه تجده باسماً متفائلاً في الحياة خفيف الروح وليس للتمرد معنى او وجود في سريرته. ولأنه مؤمن تجده متوازناً في تصرفاته، ولكن على الرغم من ذلك فإن ما يحزنه انه أمسى لا يقدم ولا يؤخر أمام تلاحق الأحداث التي مرت بها بلادنا في العقد الماضي وهو مازال يبحث عن الجدية والانتصار على العبث والتصدي لهول الأحداث التي غيرت مسارات حياتنا ودروب تواصلنا، ولكن بانضباط صامت خلا من الفوضوية أمام تلك الجيوش الأجنبية الجرارة التي اجتاحت البلاد في العام 2003، اصطحب وضاح زوجته وابنته في ربيع العام التالي من الاحتلال ومضى في رحلته متفقداً عائلة صديق له ممن ضيعت الأحداث أخبارهم ومعالمهم وهم يقطنون في الجانب الآخر من المدينة، ولم يجد أمامه وهو خلف مقود سيارته سوى نقطة تفتيش أصبح وضاح أمامها، وشغفه الوقوف على سرها الآسر، بعد ان امتدت بشكل منتظم على قارعة الطريق وعسكر فيها فصيل مدجج بالسلاح من جند المشاة الأميركية وتجمعوا بهيئة سحابة داجنة حالمة بالغزو، الكل يترقب بأن السماء ستمطر مطرة واحدة ولكن لا تكفي لبل ريق وضاح الذي تيبس وأمامه طابور انتظار من الحافلات المتباينة التي علتها الغبرة من كل صوب!. مرت من أمام نقطة التفتيش الحافلة الاولى وتلتها الحافلة الثانية ثم الثالثة بسلاسة فائقة. أما الحافلة الرابعة التي كانت تضم نخبة من الملثمين المجهولي الهوية فلم تهتم نقطة التفتيش الأميركية بشأنهم ولم تطلب التعرف على هويتهم ومن هم ومن اين جاؤوا!! ولكن عندما بلغ وضاح وزوجته وابنته حاجز التفتيش بحافلتهم انقض جنود المشاة عليهم بعد أن استرد الجند الأنفاس وأجمعوا الهمم، مطمئنين بأنهم تحولوا من الدفاع الى الهجوم ثم تحصنوا في موقع ضيق بين حافة الحافلة ومدرعتهم العملاقة! .هنا مد أحد الجنود رأسه وطلب من وضاح وعائلته باخلاء حافلتهم..! صاح وضاح ما الخطب ايها الرجال؟ أجابه أحد الجند: أنت وعائلتك اليوم من نصيب العينة المنتظمة الخامسة!.
وبهذا خضع وضاح وعائلته الى مختلف صنوف التدقيق والفحص والتمحيص واستطاعت الكلاب البوليسية أن تشم، وبقدر واسع من الحرية كل شيء في جعبة وضاح وزوجته وابنته بما في ذلك علبة السجائر التي وضعها في جيبه.
انتهى التفتيش الدقيق للحافلة الخامسة الشديدة الشفافية التي يقودها الرجل بمعية عائلته المتمدنة المسالمة وظل مستغربا! ثم أخذ يتساءل: كيف يمكن لهولاء الجند تمرير الحافلة الرابعة الشديدة الغموض والتي ضمت عددا من الملثمين المجهولي الهوية بسلاسة قل نظيرها؟ أجاب العريف الذي أشرف على المهمة قائلاً لوضاح: حافلتكم كانت بحق العينة المنتظمة المختارة التي اقتضى تفتيشها من بين مئتي حافلة يجري إخضاعها للتفتيش من أصل كل ألف حافلة تمر عبر هذه النقطة، وثمة مبدأ يسمى "فترة العينة"؛ وهو اختيار الحافلة الخامسة على التوالي لتخضع الى التفتيش الدقيق مهما كانت صفة شاغليها وحتى يتم استكمال التدقيق والفحص والتفتيش للعينة الإحصائية المنتظمة كلها. ثم نعاود الكرة للألف حافلة الأخرى وهكذا دواليك!
أجاب وضاح بصوت عالٍ: نحن عائلة بسيطة ونحمل من الشفافية ما لا تحملة الحافلة الرابعة التي مرت قبلنا! بالرغم من ذلك لم يكترث العريف لكلام وضاح. هنا توقف وضاح وسأل ضابط الفصيل: هل من المعقول أن نخضع لهكذا تدقيق مغالى به؟ ثم انك ايها الضابط ألم تتعلم في مدرستك الابتدائية في الولايات المتحدة درسا يسمى: مبادئ التصرفات الجيدة والصحيحة. كي تتعرفوا على طبيعة البشر؟ أجاب الضابط: نعم! ثم قال له وضاح ألم تدرسوا في المرحلة الثانوية درسا اسمه: قيم التعليم.. بغية التعرف على نوعية البشر؟ أجاب الضابط: نعم. ثم سأل وضاح الضابط الأميركي: ألم تأخذوا درسا في الجامعات الأميركية يتناول مبادئ الأخلاق وفلسفتها.. لكي تتعرفوا على مشاعر البشر؟ أجاب الضابط الأميركي: نعم! هنا توقف وضاح عن الكلام وتنفس الصعداء قائلاً للضابط: إذن لماذا فعلتم بنا هكذا..؟ أجابه الضابط: إنكم ضحية "العينة المنتظمة". وهي الحافلة الخامسة دوماً وكانت من نصيبكم السيئ!. انها عينة عشوائية خرساء لا مشاعر فيها!. فهي الأساس المكين الاصم المتاح لنا نحن القوى المحاربة عند البحث عن إرادة الحياة نفسها، لا الاعتماد على أساس ناطق يتعذر الإيمان به.. إنه فخ العينة المنتظمة!