السياسة غانية

سعاد الجزائري

2018 / 6 / 8

انا لا افهم بالسياسة كثيرا، ولم احفظ اسماء الكتل السياسية ورؤسائها حتى الان، ربما لانها تتكاثر بسرعة كالطفيليات، ومع تكاثرها يزداد بؤسنا وقهرنا..
ولا اجيد الحديث في السياسة لاني نأيت عنها بنفسي، بعدما ايقنت ان الانتماء الى حزب او مجموعة ما، ستقودك تدريجيا الى التخندق والتعصب لفكر وميول هذه الجماعة، وبالتالي ستفقد حريتك الفكرية تدريجيا، طالما خضعت لقانون ونظم تلك المجموعة. اكيد هذه القيود تختلف من جماعة الى اخرى، فالبعض قد يحكم عليك بالموت ان تجاوزت على تلك القيود، والبعض الاخر، يسجنك مثلا، او يقطع رزقك كبديل عن رقبتك، والاهون منها، يكتفي بطردك او عزلك مع نفحات من التشهير...
بكل الاحوال، في بلدنا السياسة صارت سوقا تجارية تزداد دكاكينها يوميا، وبالتالي فإنت منتمي بشكل ما حتى وان لم تنتم، لانك شئت ام ابيت عليك ان تحتسب على مجموعة ما والا ستبقى كالبعير الاجرب مطرود من الجميع لا سقف فوقك ولا جدار تستند اليه ولا ارض تقف عليها، ولتحم نفسك من سكين قد يأتيك في الخاصرة..
واليوم الكثير منا يشبه هذا البعير، نقف وسط المساحات الفارغة، على مبعدة من الجميع، وعلى مقربة يقظة من بعضهم، لكننا نسير بحذر بين قطرات المطر، ولشدة وحدتنا تجمعنا حول بعضنا يحمي كل واحد منا ظهر الاخر، لاننا الهدف الذي تلاحقه طلقة ليست تائهة، ولاننا نحمل بين جنباتنا ما تبقى من ضمير قد ينجو يوما ما، وقد يسكتوه للابد..
تلك المجموعة يفهم بعضها السياسة والبعض الاخر نص نص، لكنهم جميعا يعرفون جيدا ما يعنيه الوطن وما يريده منهم، لا يمتلكون المال ولا السلطة، لكنهم يمتلكون البداية لترميم الخراب المتفاقم ، وهم على استعداد لتحمل مشقة رفع حجر البناء، دون مقابل ولا حبا بكرسي الوهم السياسي، لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن، لان تيار الهدم اعتى من تيار البناء، ولان معاولهم تزداد بأسا كلما وصلت مسامعهم الكلمات التي تقض مضاجعهم وجيوبهم، الكلمات التي تريد انقاذ وطن يكاد يحتضر..
لا افهم بالسياسة ولا اريد ذلك، وفي صبح كل يوم، اقول لن اكتب عن حالنا وويلاتنا، لكني ما ان اقرأ اول سطر على الاخبار او الفيسبوك حتى تبدا روحي بالتشظي، واهيم في الشوارع والحدائق علني اجد الامان لكن هيهات مني ذلك..
كرهت تلك الخدعة التي يسمونها سياسة، او فن الممكنات، انها في وطني فن الاستحالات، بل غانية تبيع جسدها لمن يدفع اكثر..