في الحاجة لمهرجانات و تكريمات بديلة

مولاي الشريف طاهيري

2018 / 6 / 3

حينما تشاء الأقدار انتشال مشرد ما من مستنقع البؤس و الحاجة و صنع بطل قومي من إنسان بسيط، فإنها تسخر كل الظروف المواتية لذلك.
فقد عملت الأقدار قبل سنوات قليلة على استدراج سائح فرنسي نحو ضفاف نهر آرنو بمدينة فلورنسا الإيطالية، على مقربة من مهاجر لا شرعي اتت به الأقدار من العطاوية في رحلة بحث عن قسط من العفاف و الكرامة و الإنسانية بعدما تعذر توفرهم في الوطن الأم: المغرب.
ألقت الأقدار السائح الفرنسي في النهر من على جسر و جعلت الناس تفتح كاميراتها و هي تهمس (الأقدار) في أذن توفيق الشتوكي "إنها فرصتك للانعتاق و التخلص من شبح العودة للوطن الظالم مسؤولوه.."
لم يتردد توفيق في قبول الهدية الثمينة.
تناولت الصحافة الإيطالية الحدث في شقه البطولي، و تحدث عمدة فلورنسا عن شجاعة هذا المهاجر غير الشرعي في إنقاذ السائح الفرنسي، و قررت السلطات الإيطالية تمتيعه بالإقامة بديارها عرفانا منها لعمله الإنساني البطولي..
قصة مماثلة جرت اطوارها سنة 2009 بطاراغونا الإسبانية، كان المهاجر المغربي عبد الحق الحارك بطلها بعدما أنقذ عائلة من خمسة أفراد من حريق شب في شقتهم، ليلقبه السكان ب "بطل سان سالبادور". فيما تعهد رئيس جمعية الحي بمكافئته بعمل قار كجزء بسيط من العرفان.
على نفس المنوال، و قبل بضعة أيام، ابتسمت الأقدار في وجه المهاجر المالي ممادو غاساما ليحضى، بعد إنقاذه لطفلة فرنسية، باستقبال رئاسي و تمكينه من أوراق الإقامة علاوة على وظيفة تتناسب مع مؤهلاته الجسمانية وتحترم طبيعته الإنسانية. حتى أن أصواتا من داخل فرنسا تطالب بمنحه وسام جوقة الشرف الوطني و هو أعلى تكريم رسمي بفرنسا.
قد يبدو الأمر في عالمنا الثالث مبالغ فيه لكنه في هذه البلدان، التي جعلت الإنسان محور سياساتها و اهتماماتها، فالأمر طبيعي جدا و منطقي. فالقائمون على الشأن العام هناك ليسو بمطففين و موازينهم مضبوطة على مبدأ الاستحقاق لا على كمية المساحيق.
الأقدار كما جاءت في المقال تُختزل في كنهها كنتاج لتداخل و تناغم المكان مع طبيعة المجتمع المنتمي إليه، فنبل العمل و التضحية من أجل الأخر و ما يعقبهما هو أمر نسبي إلى حد ما.
ألم يكن مصطفى السملالي على قدر شجاعة و مروؤة توفيق الشتوكي و عبد الحق الحارك و مامادو غاساما؟ ألم يغص في قنوات الصرف الصحي لينقذ حيا بأكمله من الغرق و ليصون عورة وزارة التجهيز التي تنكشف مع كل موسم مطر؟؟
ما لم يسعف مصطفى السملالي (و آخرون كثر في هذا الوطن)هو كون الإنجاز تم ببلد غير إيطاليا و فرنسا و ما شابههما.. فالعرفان و التكريم و الأوسمة في هذا البلد لا ينالهم سوى من غطت ملامحهم مساحيق التجميل. نعم، حظ مصطفى السملالي العاثر اوقعه عند مسؤولين لا يسمعون و أيادي إعلامية لم تعد لها من مهمة سوى إنتاج الضحك المبكي.
فكل ما غنمه مصطفى السملالي بعد إنجازه كان سندويتش قايضه به بعض ممتهني البوز في الصحافة لقاء حوار لم يحترم بساطة الإنسان و حالته النفسية التي نال منها الفقر و الحاجة. في حين كان المكسب الثاني للسملالي لقبا جماهيريا تنبعث منه رائحة "قوادس" حي يعقوب المنصور التي تزكم الأنوف، و الأمرّ أنه لقب سيلازمه ما حيا. هكذا تشاء الأقدار أن يجازى من عمل صالحا في بلد "الموازين" المختلة.
لم لا تعمد جمعيات المجتمع المدني و الفاعلين فيها إلى تبني مهرجان سنوي يتم فيه تكريم و إعادة الإعتبار لكل مواطن كان سببا في إنقاذ إنسان أو حيوان أو شجر؟ تكريم سنوي لكل من آثر على نفسه و لو كانت به خصاصة..
هذا سيكون إحدى السبل لتحتفظ هذه الشريحة من المجتمع بمنسوب معقول من حس المواطنة و الذي استنزفته شركات كل همها مص دماء هذا الشعب دونما اكتراث للعواقب.
من الواجب على هذه الجمعيات السعي وراء كل ما من شأنه تحقيق تماسك المجتمع و توازنه بعد ما اختلت "موازين" حكامه و مسؤوليه و اضحوا بذلك يستوفون الناس إذا اكتالوا عليهم و يخسروهم إذا كالوهم.