الإعاقة سُلَّمُك للإنسان

أكثيري بوجمعة

2018 / 6 / 3

العملة التي غدت توحّد العالم هي: اقتصد السوق، الوفرة، التكنولوجية، تحصيل الثروة، والاستهلاك، والانشغال بفردانية الذات، لدرجة غدت فيها مسألة أن تكون انسانا يحس محيطه الإنساني برحمة وإحسان مضيعة للوقت إذا لم يكن من ورائها ربح مادي. في الأمس القريب كنت في زيارة لأحد المراكز التي تعنى برعاية ذوي الاحتياجات الخاصة، رفقة أحد المؤطرين الرياضيين، وذلك بغية القيام بورشة ترفيهية تربوية لنزلاء المركز، خصوصا في ظل قلة مثل هاته المبادرات التي تُعنى بهذه الفئة الموضوعة على هامش المجتمع؛ وكأنها لا تنتمي إلى صنف الإنسان بحكم طبيعة العزلة المفروضة عليها سيكولوجيا، وكأن هذه الفئة اختارت من تلقاء نفسها أن تكون في حالة إعاقة (بدنيا أو حسيا أو جسديا).
لنعد أدراجنا لنزلاء المركز من ذوي الاحتياجات الخاصة، ونترصد طبيعة تفاعلهم النفسي والسلوكي أثناء الورشة، حيث لوحظ من قبلهم استجابة منقطعة النظير، بحيث علت البسمة محياهم، وحاولوا بما يملكونه من قدرة أن يتفاعلوا بحركاتهم العفوية...إلخ. الجميل في الأمر أن هذه الورشة قد تركت صدى لديهم، وأصداء لدينا؛ أصداء جعلتنا نتعرف على قيمة أن تكون انسانا مُعافى، وجعلتنا نَعي جدوى أن نتضامن مع الإنسان الضعيف فينا. فالإعاقة بمعناها المادي هي تجسيد حي على ضعف الانسان وهوانه أمام قدرة الخالق. كما أنها دعوى صريحة لإعادة التفكير في سلوكياتنا السلبية اتجاه إعاقة هذه الفئة بمختلف تصنيفاتها دعوى إلى اعطائها دعما معنويا خصوصا في الدول العربية الاسلامية، أما المادي فلا داعي للحديث عنه بحكم أن حتى الأصحاء في هذه البلدان لا ينعمون به ودعوى لتجاوز تلك الحواجز المجتمعية الغير مبررة انسانيا، التي ترى الانسان المعاق عالة ولا يستحق الحياة وبما أننا نكتب بالعربية، فالخطاب موجه لأهل هذه اللغة وندعوهم بالنيابة عن دعوى هؤلاء الناس بضرورة مراجعة تصوراتهم وتمثلاتهم عن الانسان المعاق، ودعوى لمحاربة أكبر اعاقة قد تصيب الانسان في إنسانيته، وهي إعاقة الجهل التي تحول دون الاعتراف بأحقية هذا الانسان المُعاق في حياة طبيعية بعيدا عن حروب الوكالة التي خاضتها وتخوضها بعض الثقافات التي أسست أعمدتها على فلسفة القوة "الانسان السوبرمان"، وضحت جهلا بإنسان كان بإمكانه أن يكون فاعلا في مجتمعه الانساني، شأن: الشاعر الملحمي هوميروس مؤلف الملحمتين: الإلياذة والأوديسة، أو "ديموستين" اليوناني أشهر خطباء العصر اليوناني، أو شأن: الامام الترمذي من كبار علماء علم الحديث، أو الشاعر بشار بن برد، أو الرحالة ماجلان، أو الموسيقي بيتهوفن أو الكاتبة هيلين كيلير...إلخ. فالإعاقة لا تشكل حاجزا أما الإرادة الحرة، لا تشكل عائقا أمام المجتمعات السائرة في طريق التقدم، بل تكسبها تنوعا واختلافا من منظورات مختلفة يعيشها الانسان الذي يسكنها كل من حيث طبيعة تجربته الحياتية. تجربة هذا الإنسان المعاق اثراء للغة الانسانية، اثراء بلغة الرحمة والإحسان إلينا نحن البشر في عالم أضحى يقودونا ونقوده إلى تقديس صنم المادة. وفي الأخير، نشير إلى أن الكون ليس فقط للأصحاء، بل للجميع وبدون استثناءات.