الإنسان والحياة الكونية

سعد محمد عبدالله

2018 / 5 / 30


وجد الإنسان في هذا الكوكب "الكون" ليكون حرا الإرادة فيما يختاره لنفسه، وليكون حضارة إنسانية تطور العالم الذي يعيش فيه، وهذه الحضارة تقوم علي علم العقل وقيم الأخلاق والإنسانية، والعقل البشري إكتسب المعرفة منذ عهود قديمة من خلال تجاربه النظرية والتطبيقية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال تحديد سقف وأفق للفكر الإنساني لأن العقل بوصلة توجه الإنسان لإختيار أهدافه بحرية وشكل الحياة التي يريد أن يعيشها، وفي كل تجربة يخوضها الإنسان في حياته يختبر أفكاره النظرية عندما يحاول تطبيقها علي أرض الواقع، فهو يمر بمراحل مختلفة وتواجه تجاربه الكثير من النجاحات والإخفاقات، ولكنه رغم الصعاب التي يواجهها يظل في موضع الإستعداد لضخ المزيد من الأفكار التي من شأنها تحسين حياته لتتحول من الأسوء إلي الأفضل، والناس في عالمنا اليوم، وفي دولة السودان، تجد طيف واسع من المجتمع يكافح ويكابد بمشقة لتوفير معينات حياته المعيشية، وتجدهم في المصانع والمزارع والأسواق وفي المرافق العامة وآخرون من الطلاب يسعون لتحصيل العلم في المدارس والجامعات، وكل هؤلاء يدفعون ما بوسعهم من أثمان في سبيل البحث عن حياة أفضل لهم وللأجيال القادمة من بعدهم، والإنسان قد إكتشف العديد من الأنظمة لإدارة حياته والعالم الذي هو فيه وهذا من إنتاج العقل الإنساني المتحرر الساعي وراء التطور وهو مضاف إلي تاريخ الحضارات البشرية الهائلة في إعمار الكون وتحسين الحياة، لكن علي صعيد الصعود والهبوط تمايزة الأنظمة وتباينة الأفكار والأراء بين الدعوة إلي تطوير التجارب وإصلاح الأوطان والعالم وتقزيم وهدم التطور والأوطان والعالم، فخرج الهدامون والمخربون من بين الناس وصعودوا إلي قمم الحكم بوسائل مناقضة لإرادة الشعوب وتحكموا في السلطة والثروة وصادروا مصادر العلم والمعرفة وحكموا علي العقل بالحبس، هذه الفئات الظالمة وضعت سياسات للسيطرة علي المجتمع وتجفيف منابع إبداعه وفصله عن التطور الكوني، وكانت النتيجة تدهور حياة الإنسان وتراجع إنتاجه الفكري والصناعي والزراعي والإعماري وبلوغه أقصى درجات الفقر والجهل والإحباط، ولن تخرج الشعوب المقهورة من هذه الدائرة المظلمة إلا بثورة شعبية وسياسية تسقط تلك الأنظمة وتعيد ترميم الحياة بمنهج جديد.

الإنسان السوداني علي مدار التاريخ سجل نجاحات متعددة لا تحصيها الأيدي ولا تطالها الأبصار، ومنذ عهود الممالك القديمة كان سكان السودان في بحث متواصل عن العلوم والمعارف وطرائق الإرتقاء بالحياة وبناء أنظمة تصلح الحياة السياسية والإقتصادية والإجتماعية، وكانت لتلك الممالك تجارب ممتازة في العلاقات الخارجية خاصة وأن السودان من حيث الجغرافيا جسر ممتد يربط القارة الإفريقية بالشرق الأسط، والمجتعمات السودانية نفسها تمثل جسور لثقافات وأعراق وأفكار متنوعة ومتعددة ذات جزور مختلفة، والسودانيين علي إمتداد التاريخ سجلوا سطور ذهبية لامعة من الكفاح لأجل التغيير والتحرر وبناء دولة مواطنة وديمقراطية وسلام عادل، وكانت ثوراتهم لتحسين الحياة وبلوغ حرية الفكر والرأي مسيرة ممتدة منذ المهدية ضد الحكم التركي المصري وحتى الإستغلال من الحكم الإنجليزي المصري والثورات ضد الأنظمة البوليسية الدكتاتورية من ضمنها النظام الإنقاذي الحالي، كلها كانت ثورات تحرر وطني وبحث عن وطن حر ديمقراطي يكفل حق الحياة لسكانه ويحترم فيه إنسانية الإنسان ورأي العقل والضمير الحر.

السلطة الإنقاذية الإسلاموعسكرية المسيطرة علي موارد وحياة الشعب السوداني سعت لفصل الإنسان عن عالمه، وعملت بكل قوة لحبس العقول في إطار منهج أوحادي مفلس تحت عنوان "المشروع الحضاري الإسلاموي" وهو مشروع يحاصر العقل ويمنعه عن طرح الأسئلة الموضوعية والواقعية عن الحياة وحقوقه الإنسانية الطبيعية (السياسية والمدنية) ويضع قيود علي حرية الفكر والرأي وبل يحجب المنابر التي تدعوا إلي الحرية والديمقراطية والعدالة الإجتماعية وتعلمن التعليم وسائر أجهزة الدولة لمواكبة التطور العالمي، ومع مرور السنوات تحول النظام إلي آلة قمع وبطش وفساد هدفه الأول والأخير كامن في الهيمنة الكاملة علي مؤسسات الدولة ونهب مواردها وتكويرها في دوائر الفساد وإستخدامها في الحرب علي المجتمع ومصادرة حقوق الفقراء المهمشين، وما زال الشعب السوداني يعمل بكل جهد وتفاني لإصلاح حياته وبلاده والصعود علي سلم التطور رغم ما يعانيه من ضيق سياسي وإقتصادي.

أثبت النظام طوال السنوات الفائتة وإلي الآن معاداته لكل أشكال وأنواع التنوير والتغيير والتطور، وهو بذلك يعادي الأهداف السامية للعالم الإنساني الديمقراطي ويهدد وجود الإنسان بالنظر إلي الحروب الدامية التي بفتعلها لتثبيت أركان حكمه وسياسات الإفقار والتجويع التي تضمنتها ميزانيته للعام 2018م وبسببها إستطالة صفوف المواطنيين أمام المخابز والمتاجر ومحطاط الوقود، ولتطبيق سياساته القمعية فتح النظام أبواب السجون لزج كل المعارضيين السياسيين والمدافعيين عن حقوق الإنسان فيها حال إعتراضهم علي تلك الممارسات السيئة، وكيما يتخلص السودانيين من سلبيات النظام الإنقاذي وهو سليل أنظمة السودان القديم الدكتاتوري والعنصري عليهم أن يوحدوا صفوفهم لإستنهاض قواهم السياسية والمدنية والشعبية ومواجهة السلطة البوليسة المفلسة وتبديلها بسلطة ديمقراطية وعلمانية حرة تقوم بوضع أسس جديدة لإجراء عملية العلاج والإصلاح السياسي والإقتصادي والإجتماعي ونظام الحكم وفق دستور يختاره الشعب بحرية كاملة، والطريق إلي دولة الحرية والعدالة والسلام والمواطنة والديمقراطية طريق طويل ووعر وشاق لكن لا بد من السير عليه من أجل سودان جديد حر وديمقراطي ومجتمع إنساني متطور يساحم في تحقيق سلام وأمن وتقدم وطنه والعالم أجمع.


سعد محمد عبدالله
29 مايو - 2018م