المهجرون قسراً.. نظرة في كتاب (بلا رحمة) للدكتورة هناء سلمان

عبد الرضا عوض

2018 / 5 / 27

المهجرون قسراً.. نظرة في كتاب (بلا رحمة) للدكتورة هناء سلمان
د. عبد الرضا عوض
إذا كانت مهمة القوانين الوضعية في المجتمع حماية الحريات والحقوق ، فأنها كذلك تساهم أيضاً في استقرار الحياة الاجتماعية والشروع باتجاه الحياة المدنية، وفي العراق اصبحت القوانين المشرعة وفق مزاج الحاكم المستبد مصدراً من مصادر القلق والأسلحة التي تستغلها السلطات في ترويع المواطن وإشهارها بوجهه دون سبب مبرر وفي أي وقت شاء مما جعل حياة المواطن قلقة ومستقبلهُ غامض وأيامه ممتلئة بالهواجس، في إجراءات غير عادلة وتطبيقات متطرفة وظالمة، بالإضافة إلى تعديها على مبدأ المساواة والحقوق والواجبات والحريات التي تعرضت لها الدساتير العراقية، ضمن أبواب الحقوق المدنية والسياسية.
ما استنهض ذاكرتي هو قراءتي المتأنية لإنجاز الأخت الفاضلة هناء جعفر سلمان (بلا رحمة)، تلك السيدة التي عاشت احداث تلك الأيام السود بكل حواسها التي تبقى وصمة عار في جبين المجتمع الدولي، حينما تذكر الأمم المتحدة ويخبروها ان مشكلتهم ليست على قائمة اهتماماتهم..!!، أي وحشية نعيشها مما يجعلنا ندرك أن السلطات التي مرت في تأريخ العراق الحديث تعكزت على قوانين ونصوص لم يتم استعمالها وتطبيقها على غيرهم، فهذه النصوص كان يراد لها أن تكون السيف الحاد الذي يمكن أن يذبحهم أو على الأقل يفتت تواجدهم وجمعهم في أي زمان تريده وتختار توقيته، تلك السلطات التي تعاقبت على حكم العراق عقاباً لهم على مواقفهم الوطنية المشرفّة.
في عهد صدام صدر القرار السيء الصيت عن مجلس قيادة الثورة المنحل يحمل الرقم (180) في 3 شباط 1980 والذي عُدَّ بموجبه بعض العشائر والبيوتات العراقية غير عربية حتى لو ثبت أنها تسكن العراق منذ عهوده السحيقة، اعتبرها من الأجانب مسمياً تلك العشائر بــ (التبعية الإيرانية) وهي عراقية وعريقة في سكنها العراق، وهذه العشائر واكبت الزمن العراقي وتقلب الحكومات التي تعاقبت على الحكم ، ومع معرفة السلطات أن هذه العشائر مستقرة في العراق منذ الزمن القديم ، ويقيناً أنها موجودة قبل صدور قوانين الجنسية العراقية وتعديلاتها ، وأن الوثائق العراقية سواء منها في العهد العثماني أو الملكي بعد الاحتلال تثبت ذلك ، مما يوجب ان يتم اعتبار منطوق المواطنة العراقية منطبقاً عليها ، ووفق معيار الدولة العصرية الحديثة في العصر الراهن ووفقاً للعلاقة القانونية والسياسية مع الدولة ، فإن مواطنتهم لا التباس قانوني فيها فضلاً عن مراعاة القيم الاخلاقية والإنسانية ، فهم لم يعرفوا غير العراق وطناً وأرضاً يقيمون عليها ويتملكون فيها وكان لهم قبل التهجير حقوق ثابتة ويحميهم الدستور العراقي الذي ركلته السلطة البائدة بالأقدام .
فجريمة التهجير أو الترحيل جريمة بشعة دأب على ارتكابها أغلب الحكام الذين حكموا العراق في العصر الحديث بعد إنشاء الدولة العراقية بكيانها الحالي، بدءاً من حكومة عبد المحسن السعدون الذي قام بتهجير مجموعة من العلماء الكبار الذين وقفوا بوجه الاستعمار البريطاني وعملائه، وانتهاءً بأتعس حاكم حكم العراق ـ صدام ـ حيث باشروا وبكل حقد وشراسة بتنفيذ عملية الإبعاد القسري للمواطنين العراقيين انتقاماً كما قال في خطبته ثأراً لدم (فريال) التي سقطت وفق سيناريو اعدته ونفذته دوائر المخابرات العراقية، ودعم ارادته بحجج وادعاءات واهية، منها أنهم من أصول فارسية، مبطنة بأحقاد طائفية ونزعات عنصرية غير إنسانية، فسبب ذلك تشريد مئات الآف من العراقيين وتجريدهم من أموالهم وممتلكاتهم ومن أبنائهم ـ الشباب خصوصاً ـ دون رادع من خوف ولا وازع من ضمير، توج نظام البعث أشرس هذه الحملات في عام 1980م قبيل الحرب المشؤومة ثم صدرت لاحقا قرارات بهذا الشأن نورد منها برقية وزارة الداخلية ـ لنظام صدام ـ المرقمة (2884) في (10/4/1980)
((تبدأ: لوحظ وقوع أخطاء والتباسات عديدة من قبل أجهزتكم في التسفيرات وتحديد المشمولين بها والمستثنين من التسفير، توضيحا للتعليمات السابقة، أدناه الضوابط التي يجب العمل بموجبها في هذا الشأن:
1- يسفر جميع الإيرانيين الموجودين في القطر وغير الحاصلين على الجنسية العراقية وكذلك بمعاملات التجنس أيضا ممن لم يبت بأمرهم.
2- عند ظهور عائلة البعض منها حاصلين على شهادة الجنسية تشملهم الضوابط، إلا إن البعض الآخر مشمولين، فيعتمد مبدأ (وحدة العائلة خلف الحدود!!) مع سحب الوثائق، أي الجنسية إن وجدت، والاحتفاظ بها لديكم ومن ثم إرسالها إلى الوزارة مع تزويد الوزارة بقوائم المشمولين بقرارنا هذا؛ ليتسنى لنا إسقاط الجنسية عنهم .
3- يجري تسفير البعض خاصة العوائل عن طريق القومسيرية، وفي حال عدم استلامهم يجري تسفيرهم من مناطق الحدود الاعتيادية. الاستثناءات:
أولاً: العسكريين على مختلف الرتب يسلمون إلى الانضباط العسكري في بغداد للتصرف بهم من قبلها وحسب التعليمات المبلغة إليها.
ثانياً: عدم تسفير الشباب المشمولين بالتسفير المقيمين في القطر وتزود هذه الوزارة بقوائم تتضمن هوياتهم الكاملة وأعمالهم
ثالثاً: النساء الإيرانيات المتزوجات من أشخاص عراقيين ترسل قوائم بأسمائهن إلى الوزارة.
رابعًا: عدم تسفير الشباب المشمولين بالتسفير الذين أعمارهم من 18- 28 سنة والاحتفاظ بهم في مواقف المحافظات إلى إشعار آخر .
خامساً: يستثنى من التسفير الأرمن الإيرانيين المقيمين في القطر وتزود هذه الوزارة بقوائم تتضمن هوياتهم الكاملة وأعمالهم.
سادساً: لا يشمل التسفير اللاجئين السياسيين الإيرانيين.
سابعاً: يستثنى العرب العربستانيين المقيمين في القطر من التسفير.
ثامناً: عند ظهور أية حالة من غير الواردة أعلاه إعلامنا هاتفيا قبل البت فيها.
نؤكد امرنا في فتح النار على من يحاول العودة إلى الأراضي العراقية من المسفرين!!.
وزير الداخلية
وإذا ما تمعنا في هذا البيان نرى ان الحقد منصب باتجاه واحد ، فمبدأ (وحدة العائلة خلف الحدود) هذه أنموذج بشع لإمضاء المزاج والهوى والحقد الدفين في تقدير مصائر الناس؛ فبأي سنة من سنن البشر، وشريعة من شرائع السماء، وبأي اعتبار من اعتبارات الأديان، إن كانوا يعتقدون بأي دين سماوي، أن يقرر صدام وأزلامه في حال ظهور عائلة البعض منها حاصل على شهادة الجنسية، تشملهم الضوابط إلا إن البعض الآخر غير مشمول فيعتمد بالعمل وفق هذا المبدأ، أي: كل العائلة ترمى خلف الحدود مع سحب الوثائق كالجنسية والجواز والشهادات الجامعية، وأي وثائق مكتوبة تؤيد بأحقية هذا الإنسان في العيش على الأرض العراقية؟! .
وحينما قرر الوزير حجز الشباب والملتحقين بوحداتهم العسكرية في السجون والمعتقلات تقرر مسبقاً ان تتم تصفيتهم وفعلاً تم ذلك أما بإعدامهم أو بسوقهم للخطوط الامامية وتفجير الألغام.
وقد ميز البيان بين الأرمن والعربستانيين الإيرانيين ، وخص التسفير المسلمين الشيعة ، وهذا مؤشر على طائفية النظام الحاقد.
المشكلة لا تكمن في كيفية معرفة الحق والحقوق ، فلهذه المسألة عدة طرق وأساليب للمعرفة والاقتناع ، المشكلة تكمن في إنكار الإنسان للحق ، والتنكر للحقيقة بالرغم من وضوحها وسهولة اكتشافها ، وفي هذا الزمن المرير ينبري من يصر على إنكار الحق والحقيقة ويساهم في تغطيتها وتبرير الجرائم المرتكبة بحقها وفق تبريرات واهية ، ولطالما وقع الناس في حيرة مما حصل منها التقليل من مشكلة المسفرين وتهميش تضحياتهم والتشكيك في انتسابهم وارتباطهم التاريخي الى هذا الوطن ثم التشكيك في تراثهم القومي وحقيقتهم ، ولطالما تم التقليل من مأساتهم ومعاناتهم ومحاولة تبرير الأفعال التعسفية المرتكبة بحقهم بقصد تضييع حقوقهم.
ومن المفارقات التي لا تفسير لها ان يكون نصف قادة العراق آنذاك من بين صفوف الكرد الفيليين أمثال: سمير الشيخلي ومزبان خضر وطه الجزراوي ، فلماذا لم يشملهم القرار؟؟؟.فراحت تمارس تلك الجهات أساليب أخرى من خلال خلق مزاعم وادعاءات زائفة تطعن في عراقيتهم وعلاقتهم بالتراب العراقي ، وتصويرها على انها حقيقة قائمة ، القصد منها وبالنتيجة إحداث شرخ عميق في صميم المكونات الإنسانية في العراق ، من خلال تحجيمهم وعزلهم عن أبناء جلدتهم ، او هي بالحقيقة محاولة إلصاقهم بالأحزاب الدينية لكونهم من أتباع المذهب الشيعي الإمامي ، أو احتسابهم على حركة سياسية معينة ، لكونهم شكلوا على الدوام عنصراً مهماً من عناصر معارضة السلطات الدكتاتورية في العراق ، متناسين عطاؤهم الذي كان لكل الحركة الوطنية دون تحديد ، ولكل العراق دون أن يقفوا مع قومية محددة معينة .
ومن بين أهم الحقائق التي تتجسد عملياً في العراق وجود عدة قوميات متآخية ومتعايشة ومنسجمة ، ولكل قومية منها حقوق وواجبات ، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نقّر أو نقبل ونسلم بسيطرة قومية على أخرى ، فلكل قومية كرامتها ، ولكل قومية خصوصيتها ، والمنطق يقضي ان كل قومية منها لها تأريخها وحقوقها ، وأن للقومية الأخرى مثل تلك الحقوق ، وتداول العرب والمسلمين مقولة أن (تحب لأخيك ما تحب لنفسك) ، ووفق هذا السياق فأن إهدار الحقوق ومنع المحاكم من النظر في القضايا التي تخص الجنسية والتعسف في التطبيقات القانونية ، وقضايا التسفير الهمجي الظالم والجمعي ، وسلب الحقوق ومصادرتها التي طالت شرائح عديدة من العراقيين ، ولعل من اكبرها واهمها شريحة الكرد الفيلية.
ولم تأخذ محنة المسفرون قسرا حجمها الطبيعي في الإعلام العراقي أو الدولي ، فقد تعرضت عملية التسفير إلى حالة اللامبالاة دولياً ، والتعتيم التام شبه التام محلياً، وتمكن السلطة حينها إلى رش الرماد في عيون العديد من الجهات لتصوير هؤلاء وكأنهم أجانب أقتضت الظروف السياسية في العراق أن يعودوا إلى بلادهم ، وروجت للمسألة وكأنها ترتيب لحماية وضع البيت الوطني ، وحماية العراق من الدخلاء والمقيمين بشكل غير شرعي وقانوني ، وعملية تزوير التأريخ ليس غريباً على تلك السلطة التي شرعت تدعو لإعادة كتابة التأريخ وفق رغبتها وغاياتها ، ومع كل هذا التزوير والتزييف ، فقد سقطت سلطة صدام فاضحة نفسها ، حين تصدت في عمليات تهجير كبيرة صاحبتها عمليات احتجاز وتعذيب ونفي مواطنون عراقيون يملكون السندات الرسمية التي تثبت عراقيتهم ، وصاحب ذلك القيام بمصادرة للأموال والعقارات لا أساس لها من القانون ولا سند لها من الشرعية ، اعتقاداً من السلطة انها انتصرت على الحق ، وانتقمت منهم شر انتقام .
إن ما قامت به الدكتورة الفاضلة هناء سلمان من سرد وتدوين ما حل بها وبأسرتها ومن شملهم التسفير القسري ليُعد وثيقة ادانة تاريخية لتصرقات حكومة البعث ، وأرشفت للذاكرة الانسانية سيرة الطغاة والمتجبرين.