الشباب أغلى الثروات المبددة

طاهر مسلم البكاء

2018 / 5 / 23

مع ان ثروات العراق لاحصر لها وتبذيرها لاحدود له ،غير ان اهم ثروة منحها الله تعالى لهذا البلد،بعد تعرضه للمحن ، هي النسبة الكبيرة من الشباب والتي تشير الأحصاءات الأخيرة الى انها تبلغ حوالي 65 % ،وقد يكون هذا رد على ماتعرضت له ارض الحضارات ومهدها من حروب وقتل وتخريب وارهاب في سلسلة مستمرة ولفترة طويلة من الزمن .
الشباب هي مرحلة تبلور شخصية الفرد ،وعنوان الطاقة الخلاقة التي يمتلكها المجتمع وربيع الأمة الذي سوف يزهر ليولد المستقبل ،انهم امل البلاد وثروتها الكبرى التي تتصدر الثروات الأخرى ، اذ لافائدة في الثروات الموجودة اذا لم تحفز سواعد الشباب وتحدد الأمم المـتحدة فئة الشـباب بالفئات العمرية بين ( 15 – 24 ) سنة بينما تكون بين ( 15 – 25 ) سنة ،وفق معايير البنك الدولي ،وهناك من يمتد بها حتى الثلاثين .
غير ان السمة الغالبة لهذا العصر في العراق هي هدر مكثف لطاقات العراق الكبيرة والمختلفة ومنها الطاقة والثروة الأولى وهي ثروة الشباب .
فالشباب الذين هم عماد كل أمة ،مهملون مهمشون في العراق ولا أحد يفكر بهم ،ليس هناك نوادي أو مراكز شباب تستقبلهم ،ليس هناك برامج مناسبة لهم ،والطريق الوحيد الذين يسيرون فيه وهو طريق المدرسة والتعليم، وبدأ يتعرض لتحديات مصيرية بحيث ازدادت نسب المتسربين من الدراسة والفاشلين فيها ،ومن يستمر فأنه يتعرض الى مضايقات وتحديات من نوع آخر مثل : الأعداد الأكتظاظية ،حيث وجود أعداد أكبر من الطاقة الأستيعابية في المدرسة وفي الصف الواحد ،وعدم كفاءة التدريس بصورة عامة ،واتجاه أغلب الأساتذه الى الأهتمام بالتدريس الخصوصي وما يترتب على ذلك من إهمال للتدريس العام ، وتكاثر المدارس الأهلية والذي اصبح كم بدون كفاءة .
ومما ضاعف هموم الشباب اليوم ان المتخرجين منهم لا يحصلون على عمل مناسب ،فالغالبية العظمى تعيش حياة البطالة والتي تجر في ركابها أكثر أنواع الويلات والمشاكل للشاب كالفقر والعزوف عن الزواج والوقوع في طرق الأنحراف المؤلمة والمدمرة .
وبدأت اعداد كبيرة من الشباب تلجأ اضطراريا ً الى الهجرة بعيد عن أوطانها بحثا ً عن مستقبل أفضل ،وهؤلاء من فئات عديدة بعضهم ممن لايملكون مؤهلات علمية والبعض الآخر منهم ممن أكملوا دراستهم العالية في بلدانهم أو في بلدان خارجية وتشير الأحصاءات ان أكثر من 50% من الشباب العربي الذين يدرسون في الخارج لايعودون الى بلدانهم ،حيث يستقرون في أمريكا وكندا وأوربا بسبب ما توفره لهم هذه البلدان من إغراءات وحياة أفضل وما يلاقونه من اهمال في بلدانهم !
العراق بيانات مخيفة :
ولو اخذنا العراق مثالا ًلوجدنا بيانات مخيفة في اعداد الهجرة الى الخارج سواء من عامة الشباب التي تمثل العمالة البسيطة أو للكفاءات المعتبرة في المجتمع كالعلماء والأطباء والمهندسين والتدريسين والفنيين ،وقد ساعدت سياسات النظام العراقي الذي اشعل فتيل حروب مرهقة للبلاد واقتصادها ،على صعود الخط البياني للهجرة بشكل مخيف ،فمنذ الحرب الأيرانية - العراقية ،ثم حروب آل بوش الذي تخللها حصار اقتصادي قاسي ، ثم هجمات الأرهاب واهتزاز الأمان في الداخل العراقي بعد عام 2003 ، ارتفع المهاجرون الى أعداد مليونية ، ولو تفحصنا الداخل العراقي لوجدنا خمول وخمود النشاطات التصنيعية والأنتاجية الأخرى ،واهمال المنشآت الصناعية الضخمة التي كانت قائمة سابقا ً وانتشار السلع الأجنبية في السوق ، اي ان العالم يتقدم بتسارع هائل ونحن نتراجع بشكل كبير !
اسباب الهجرة :
ويمكن اجمال الأسباب الرئيسية للهجرة بالنقاط التالية :
- عدم الأهتمام والتمييز بين ذوي الكفاءة وغيرهم ، مما يجعلهم دائمي البحث عن فرص افضل .
- الواقع الأمني الذي يجعل العراقي قلقا ً على نفسه وعائلته وممتلكاته .
- فرص العيش الجاهزة المحفزة ،التي يسيل لها اللعاب والتي توفرها الدول الأخرى المستقبلة .
- توفر امكانية متابعة التقدم العلمي والتكنلوجي ،وتوفر الأجهزة المتطورة الحديثة ،وفرص اكمال الدراسة .
- الأستقرار والطمأنينة التي توفرها الدول المستقبلة مقابل الخوف من المستقبل في البلاد الأصلية .
- الأنبهار بالحياة في الدول الصناعية لما وصلته من مراحل متقدمة في جميع مجالات الحياة .
خسارة البلاد للشباب خسارة لاتعوض :
اذا أخذنا بنظر الأعتبار ان أغلب المهاجرين هم ممن أكمل دراسته في العراق ثم هاجر بمجرد حصوله على الشهادة وتأهله لولوج سوق ساحات العمل والأنتاج ، فتكون خسارته في اتجاهين ،الأول ماقامت الدولة من صرفه لغرض اعداده والثاني فقدانه في وقت جهوزيته للعمل والأنتاج ،وهذه خسارة لموارد الدولة وامكانياتها حيث يبدع هؤلاء الشباب في الدول المستقبلة التي تتلقفهم بكامل جهوزيتهم .
ان الوضع الذي يعيشه العراق اليوم ، حيث انه من المفترض ان يكون على أعتاب بناء وأعمار ونهوض في أغلب مجالات الحياة تجعل من ثروة الشباب من أهم الثروات المبددة والمهدورة، والمؤلم أنه رغم هذه الأعداد والعقول المهاجرة والمستمرة بالهجرة والتي اصبحت تعد بالملايين ،فليس هناك اي دراسات جادة لجدولة الأسباب المؤدية لهذه الخسارة الكبيرة والمستمرة ،ووضع الحلول الواقعية لها !