الرقص مع الذئاب..!

مظهر محمد صالح

2018 / 5 / 18

الرقص مع الذئاب..!


الكاتب:د. مظهر محمد صالح

18/5/2016 12:00 صباحا

بدأت حياة ذلك الجندي الابيض في جيش الاتحاد ،الذي غادر موقعه جريحاً ،قبل ان تضع الحرب الاهلية الاميركية اوزارها،بالتوجه الى جهة اعتقد انها مجهولة تقع خارج الزمن والتاريخ .ولكن انتهى منجذبا نحو دلالات الحياة النائية لسكان اميركا الاصليين من الهنود الحمر، واندمج في مسارات حياتهم الاجتماعية ونمط انتاجهم ليصبح احد رجالاتها الغيارى في الولاء والاخلاص للدائرة الانسانية الجديدة،كما اقترن في الوقت نفسه بفتاة بيضاء نشأت في احضان تلك القبيلة الهندية المسماة اللاكوتا.وهكذا ترك الجندي جون دنبر حياته الماضية وراء ظهره منصهراَ بمجتمع سكان البلاد الاصليين من الهنود ، مطلقين عليه اسما جديدا هو :الراقص مع الذئاب..!.انها خلاصة القصة التي قدمها الروائي الاميركي مايكل بليك في العام 1988 وشقت طريقها لتكون واحدة من روائع السينما الاميركية في العام 1990 .
ففي فيلم سينمائي انتجته هوليوود ظل العنوان نفسه كما ورد في الرواية اعلاه وهو: الرقص مع الذئاب. اذ ادى الممثل الاميركي الشهير كيفن كوستنر دور الممثل الرئيس والمخرج في آن واحد. ولكن انتهى الفيلم بمأساة عندما تقدم جنود الاتحاد ليستولوا على مستوطنات سكان البلاد الاصليين من الهنود الحمر في واحدة من تاريخ الحزن الانساني في اميركا.
اختلف الفيلم المذكور عن اسلافه، بكونه قد ناصر سكان البلاد الاصليين وآزرهم عبر مسرح الصراع بين المجتمع التقليدي القائم على الصيد والرعي والترحال،وبين منتزعي الاراضي من المستوطنين الاوروبيين المصرين على اقامة اقتصاد السوق الحديث عبر احتلال تعززه قوة البندقية .
وعلى الرغم من ذلك، فان تجربة سكان البلاد الاصليين في اميركا قد لا تختلف في الحصيلة عما تعرض اليه السكان الاصليون في الارجنتين وجنوب افريقيا واستراليا.وقد لا يقتل الاستيطان بالضرورة سكان البلاد الاصليين ،ولكن غلبة الصراع التاريخي بين الطرفين قد اظهرت ان سكان البلاد الاصليين لا يملكون سوى دفاعات ضعيفة، لاسيما بعد ان انتزع المستوطنون اراضيهم المشاعة، ليقيموا عليها ما يسمى بحقوق الملكية الخاصة التي اسست تحت ذريعة قوانينهم الوضعية و نيران اسلحتهم الحديثة.
فمنذ ان ازيلت الاسس الاقتصادية للمجتمع القبلي الشديد البساطة،غدا سكان البلاد الاصليون منزوعي القدرة على منافسة تلك القوى الاوروبية المستوطنة الشديدة التنظيم .اذ تسلح القادمون الجدد بالقواعد الاقتصادية و آليات السوق والقوانين العسكرية، وقيامهم من فورهم بتحويل الارض التي استوطنوها الى استعمالات اقتصادية متعددة غزيرة العائد النقدي .
فالحبوب الاميركية ولحوم العجول الارجنتينية واستخراج الذهب والماس من مناجم جنوب افريقيا، فضلا عن الصوف الاسترالي، قد دخلت جميعها رحاب السوق العالمية وامست
مصدر غنى وعيش رغيد لملايين المنتجين والمستهلكين من القوى الاقتصادية لما وراء البحار.ختاما ،على الرغم من محاولات اقناع سكان البلاد الاصليين ممن سحقتهم آلة احتلال ارضهم وقبولهم بالامر الواقع و العيش المشترك بمرارة تحت ذريعة «ان الغاية تبرر الوسيلة «لكن ظل بقاؤهم متمسكاً بمبدأ واحد هو «الرقص مع الذئاب»!.