العبودية في القرن الحادي والعشرين!

مظهر محمد صالح

2018 / 5 / 16

العبودية في القرن الحادي والعشرين!

الكاتب:د. مظهر محمد صالح

10/12/2013 12:00 صباحا

فاجأني سائق حافلتي وهو رجل ودود مبتسم دون الخمسين وهو ليس مرحاً كعادته عند قيادته للحافلة صباحاً ،قلت ماذا دهاك يا يوسف في هذا الصباح المشرق وانت مكسور الجناح ولا يعجبك الحال .....وهل انك تعاصر قصة حب طويلة؟اجابني كلا،اني اخاف المستقبل .قلت له كيف؟اجابني ان المستقبل هو ليس خطا مستقيما، واني اخاف الفقر والظلام والمجهول والموت.اجبته ما الذي جعلك تفكر وكأنك في مطلع القرن التاسع عشر عندما كان اكثر من نصف سكان الارض قد ثلمت انسانيتهم بين عبد اوخادم كما اخبرنا التاريخ الاقتصادي للعبودية؟ أجابني مهموماً .. الخوف على اولادي من عولمة الفقر والفاقة!...فمنذُ العصر الخالي وحتى القرن الحادي و العشرين لم تنفك البشرية من العبث في الجنس الانساني والتصرف به كسلعة في قبضة سوق العمل السوداء.
انها سوق العبودية التي لاتزال تمسك بأظافرها الحديدية بنحو 30 مليون انسان/عبد حتى اللحظة،وهم ممن انتهى بهم الامرالى حُجر الحياة المغلقة و انهم غدوا لايخافون من شيء بعد ان هجرتهم الحياة وجف معينها ليحتضنهم جنس آخر كالح الوجه ينتظر من ضحيته ان يفرغ عرقه جاهداً في وعاء العبودية الجافة وفي سيناريوهات داكنة لانهاية لها .قلت له نعم... فالعبودية هي نظام يعامل الناس كسلعة مملوكة تخضع للبيع والشراء وتجبرهم على العمل ضد ارادتهم ،سواء منذ الولادة او عند الشراء او هم تحت ارادة القوة المستغلة لهم وحرمانهم من حق المغادرة وحق رفض العمل و حق التعويض.قال ألا ترى ان الاكراه على الزواج وتشغيل الاطفال الذي بلغ عددهم اليوم بنحو 250 مليون طفل مشتغل في سوق العمل الرخيص في العالم بين سن الخامسة وحتى دون سن الخامسة عشر ،فضلا عن تجنيد بعضهم على حمل السلاح، هو نمط من انماط العبودية؟قلت له نعم وان جنوب آسيا لاتزال حتى اللحظة تستعبد الجنس البشري في سداد الديون وان اغلب حالات العبودية في آسيا تأتي استيفاءً للديون. ويلحظ ان العمل الاجباري يعد شكلاً من اشكال العبودية إبتداءً من تشغيل السجناء بأعمال السخرة وانتهاءً باشكال العبودية المعروفة تقليدياً.
لقد امسى الاتجار بالبشر والعبودية واحدة من المشكلات الكبرى في الاقتصاد العالمي الحديث.وان عشرات المليارات من الدولارات قد جرى تحصيلها منذ مطلع الالفية الثالثة وحتى اليوم في التجارة البشرية.
اذ لايزال تجار العبيد حتى اليوم في مناطق حوض الكونغو يقومون بخطف النساء والرجال ومن ثم يجري ابتياعهم في اماكن بعيدة ليمضوا حياتهم جبراً عند اسيادهم الجدد بعيداً عن اهلهم.ويلحظ ان البعض يُجبر على هجرة وطنه عبر إغراءات عصابات منظمة وتحت ذريعة البحث عن العمل لهم في اماكن خارج بلدانهم ليتم بيعهم كعبيد افتراضيين لقاء تكاليف نقلهم ومصاريف إيصالهم الى اماكن العمل البعيدة ومن دون توافر القدرة على العودة. وان النساء هن الجانب الاكثر ظلماً في هذا المسار،فعودتهن الى اوطانهن بسبب العمر او المرض يعني تعرضهن لمشكلات غسل العار وغيرذلك من اعمال الابادة الوحشية.
قلت لسائقي يوسف، لاتقلق على مستقبل اولادك ،نحن سكان شرق المتوسط نختلف عن بقية العالم ، فطفولتنا تحظى برعاية ولطف عاليين وتضامن انساني وعائلي منقطع النظير،ولاتحبط عما يجري في قارات العالم من حولنا، فحتى الهند والنيبال قد تبدلتا بعد ان كانتا من اكثر بلدان العالم تشغيلاً للاطفال،اذ تجد اليوم في طرف السجاد الهندي او النيبالي المصدر الى العالم شهادة تعهد تقول بأن هذه السجادة لم يشترك الاطفال في صنعها وانها لم تستعبد احداً في حياكتها!
ختاماً،ابتسم يوسف قبل ان اترك حافلته وقلت له كن متفائلاً ولا تُستدرج الى الهاوية وان سفينة الحياة تسير من دون حاجة الى رأينا او معاونتنا طالما ان وقودها السلام والحرية.