الاشكاليات التي تطرحها ظاهرة الأطفال المتخلى عنهم وأطفال الشوارع

محسن العربي

2018 / 5 / 10

مقدمــــــة
تشكل الطفولة عطاء الأسرة، والأسرة هي صانعة الطفولة، فطفل اليوم هو أسرة الغد التي تترك بصماتها على شخصيته ، لذلك صار مجال الطفولة من المجالات المهمة التي تتطلب الفهم والإلمام وتطوير الأساليب العلمية والعملية لتقديم رعاية أفضل لهذا الطفل.
فالإهتمام بالطفولة أصبح يمثل أبرز الدلالات على رقي الأمم والشعوب، ذلك أن بناء المستقبل رهين أساسا بما يحقق من رعاية خاصة بالأطفال الحاليين والمقبلين وما يوفر لهم من شروط النمو السليم والتنشئة الهادفة.
وهذا ما حدى بالمنتظم الدولي إلى اعتماد مجموعة من المواثيق نص من خلالها على ضرورة حماية حقوق الأطفال، ولعل أبرز هذه المواثيق – والمتصلة بحقوق الطفل مباشرة – هي اتفاقية حقوق الطفل لسنة 1989 والبروتوكولين الإختياريين الملحقين بها و المتعلقين على التوالي ببيع الأطفال و إستغلالهم في المواد الإباحية و منع الشراك الأطفال في النزاعات المسلحة ، وكذا اتفاقيات منظمة العمل الدولية ذات الصلة خاصة الاتفاقية رقم 138 الخاصة بالحد الأدنى لسن التشغيل و الاتفاقية رقم 182 الخاصة بحظر تشغيل الأطفال في الأعمال السيئة.
وبالموازات مع هذا الاهتمام الدولي حضيت حقوق الأطفال باهتمام القوانين الوطنية للدول، فعلى سبيل المثال أفردت الدولة المغربية حماية خاصة للأطفال سواء في دستورها أو تشريعاتها العادية خاصة ضمن مدونة الأسرة، والقانون الجنائي، والمسطرة الجنائية، وقانون الجنسية، والقانون التجاري....
إلا أن هذا الاهتمام بالطفولة ومراعاة المصلحة الفضلى للطفل رافقه إهمال أو لِنَقُل ضعف في توفير الحماية لفئة خاصة من الأطفال وهم الأطفال المهملين وخاصة منهم من يتخذون الشارع مأوى لهم، الشيء الذي أدى إلى بروز عدة إشكاليات مرتبطة بهذه الظاهرة – وهو موضوع هذا المقال –، فظاهرة الأطفال المتخلى عنهم وأطفال الشوارع هاته في معضم دول العالم، وخاصة منها الدول النامية، تطرح إشكاليات خطيرة يكون لها تأثير كبير على المجتمع ككل وخاصة على هذه اشريحة من الأطفال التي يفترض أنها تمثل أجيال المستقبل.
فما هي أبرز الإشكالات التي تطرحها ظاهرة الأطفال المتخلى عنهم وأطفال الشوارع ؟
وفي محاولة للإجابة عن هذه الإشكالة قررنا تناول الموضوع عبر محورين كالآتي :
✓ المحور الأول : إشكاليات تؤثر على الأطفال المتخلى عنهم وأطفال الشوارع.
✓ المحور الثاني : إشكاليات تؤثر على المجتمع ككل.

المحور الأول : إشكاليات تؤثر على الأطفال المتخلى عنهم وأطفال الشوارع

إن التخلي عن الطفل أو خروجه إلى عالم الشارع في سن مبكرة لا يخلو من نتائج سلبية لها تأثير خطير عليه في حد ذاته، تهدد كيانه واندماجه المجتمعي، فمعظم الأطفال المتخلى عنهم وأطفال الشوارع يعانون إشكاليات عدة صحية ونفسية وأمنية واجتماعية وثقافية...، وهذا ما سنبرز أهمه في ما يلي:

✓ مشكلات صحية :

وتتمثل في كون هذه الشريحة من الأطفال، وخاصة منهم أولئك الذين يتخدون الشارع مأوى لهم، تكون عرضة للعديد من الأمراض الخطيرة الناتجة عن سوء ونقص في التغذية، والعيش في ظروف مناخية صعبة [1] والتعاطي لبعض أنواع المخدرات الخطيرة، كالأمراض الجلدية والتعفنية والأمراض المرتبطة بالجهاز التنفسي... وذلك أمام غياب الرعاية الصحية اللازمة أو ضعفها.

✓ مشكلات نفسية :

وتتمثل في التأثيرات النفسية السلبية التي يتعرض لها هؤلاء الأطفال، نتيجة مجوعة من العوامل، كغياب دفء وحنان الأسرة وشعور الطفل بأنه لم يكن مرغوب فيه من طرف والديه، أو بسبب تأثره بما قد يكون قد عاشه جراء العنف والتفكك الأسري. [2]
بالإظافة إلى نظرة المجتمع إليهم الموصومة بالعار والإحتقار التي تشعر الطفل بالدونية وعدم الأهمية مقارنة بأقرانه الذين يعيشون في كنف أسرهم، وكذا سوء المعاملة التي يتلقونها من ضرب وسب وشتم من طرف بعض أفراد المجتمع أو من بعض رجال الأمن للأسف، إلا أن الأخطر من ذلك كله هو تعرضهم للإستغلال الجنسي من طرف أفراد ومجموعات إجرامية [3] تستغل ضعفهم لصغر سنهم وعدم قدرتهم على المواجهة... مما يدفعهم للإنحراف والتشرد والإدمان.

✓ مشكلات اجتماعية وثقافية :

وتتمثل في غياب التنشئة الاجتماعية والثقافية التي تعتبر مكون العملية التي يتم من خلالها تشكيل وعي الفرد ومشاعره وسلوكه في سنواته الأولى (خاصة دور الأم في هذه التنشئة)، بالإضافة إلى الجهل والأمية نتيجة عدم تمدرسهم أو محدودية هذا التمدرس [4] ، وكذلك عدم توفر كثير منهم على أوراق ثبوتية، مما يطرح إشكالية إندماجهم المجتمعية والثاقافية، وبالتالي يجد الطفل نفسه في هذه الحالة يعيش في واقع قاتم ومستقبل مجهول، جاهلاّ بحقوقه التي حتى وإن علمها لن يستطيع المناداة بها أو الدفاع عنها.

✓ مشكلات أمنية :

وتتمثل في عدم شعور هذه الشريحة من الأطفال بالأمن نتيجة تواجدهم في الشارع حيث يكونون عرضة لمختلف الإعتداءات، فعادة ما يتم الاعتداء عليهم من طرف المنحرفين الكبار سواءا جنسيا [5] أو جسديا أو إرغامهم على ممارسة بعض الأمور المحظورة كبيع وترويج المخدرات والسرقة أوالدعارة [6]... وبالتالي يصبح هاجس الطفل هو توفير والحماية لنفسه.
وهذه كلها إشكاليات تؤثر سلبا على هذه الفئة من الأطفال خاصة أطفال الشوارع (وبالخصوص منهم الفتيات وذوي الإعاقة)، ويكونون للأسف الشديد - بعد تخلي الوالدين - أمام تخلٍ ثانٍ عنهم، هذه المرة من طرف المجتمع، وهو أشد وأخطر من التخلى الأول بحيث يؤدي إلى خلق مشاعر سلبية وعدوانية لدى الطفل اتجاه المجتمع، الشيئ الذي تكون له عواقب وخيما على هذا المجتمع.

المحور الثاني : إشكاليات تؤثر على المجتمع ككل

ظاهرة الأطفال المتخلى عنهم وأطفال الشوارع تخلف إشكاليات متعددة تؤثر سلبا على المجتمع ككل، ومن بين هذه المشاكل يمكن أن نذكر ما يلي:

✓ إشكاليات أمنية :

وتتجلى الإشكاليات الأمنية التي تطرحها ظاهرة الأطفال المتخلى عنهم وأطفال الشوارع في انتشار الجريمة والتطرف والإرهاب، فهذه الشريحة تشكل ناقوس خطر للمجتمع وبؤرة تنذر بالعنف والإرهاب وبراثين الإنحراف والجنوح [7] ، فالطفل المنحرف قد يكون هو مجرم الغد، فاحتراف الجريمة لا يأتي فجأة أو من فراغ وإنما يلزمه دائما الإعداد والتمرس والتدرج.
وهذا ما يتعزز مع الإشكاليات السابق ذكرها في المحور الأول من هذا المقال، ذلك أن الطفل المهمل أو طفل الشارع يكون ضمن بيئة سيئة دون وازع أو رقيب مما قد يؤدي إلى انخراطه في شبكات منظمة من العصابات المؤذية وذات الأهداف السيئة التي تلحق الأضرار بأمن المجتمع واستقراره.
كما أن وجود أعداد ضخمة من هؤلاء الأطفال المحرومين من التربية والمأكل والملبس يؤدي إلى أرقام مهولة في عدد جرائم السرقة والإعتداءات المميتة أحيانا يرتكبها هؤلاء الأطفال بمختلف الوسائل من أجل توفير سبل عيشهم. [8]

✓ إشكاليات مجتمعية :

وتتجلى الإشكاليات المجتمعية التي تطرحها ظاهرة الأطفال المتخلى عنهم وأطفال الشوارع في زيادة انتشار ظاهرة التسول [9] الذي هو أيضا وسيلة من وسائل تحصيل الرزق بالنسبة لهؤلاء الأطفال، فتجدهم في إشارات المرور ومواقف السيارات وقرب المطاعم والأماكن العامة، وتترتب عن هذه الظاهرة (أي ظاهرة التسول) نتائج إجتماعية سلبية لعل أبرزها:
- انتشار الفوضى والاضطرابات في شوارع المدن وفي الأماكن العامة.
- تنامي الجماعات أو العصابات التي تستغل هؤلاء الأطفال في التسول أو قد تستغلهم في ترويج المخدرات أوالسرقة والنصب والإحتيال أوالدعارة، تحت مطية التسول.
- بروز جيل يحترف ويمتهن التسول يؤتت شوارع المدن والأماكن العامة ويهدد الأمن والإستقرار...
وبالإظافة إلى انتشار التسول وما يترتب عليه من آثار سلبية، تطرح الظاهرة الأطفال المتخلى عنهم وأطفال الشوارع عدة إشكالات إجتماعية أخرى تتمثل على الخصوص في بروز جيل معاق فكريا وأخلاقيا غير قادر على الإندماج في المجتمع [10] نتيجة سوء تنشئته والمشاكل النفسية التي يعانيها، وبالتالي يشكل مجتمعا داخل المجتمع.

✓ إشكاليات اقتصادية وتنموية :

تتمثل هذه الإشكاليات الإقتصادية والتنموية في النتائج السلبية التي تخلفها ظاهرة هذه الفئة من الأطفال على الإقتصاد الوطني للدولة ومشاريعها التنموية [11] ، فالمشاكل المجتمعية والأمنية (السابق ذكرها) تأثر على اقتصاد الدولة وتنميتها، ذلك أن المجتمع الذي يغيب فيه الأمن والاسقرار تغيب فيه الإستثمارات والمشاريع (خاصة منها الأجنبية) التي من شأنها النهوض باقتصاد المجتمع وتنميته خاصة في الدول النامية، بحيث تجد هذه الأخيرة نفسها ملزمة بالبحث عن حلول للظاهرة على حساب مشاريعها التنموية.
بالإظافة إلى كل هذه الإشكاليات، فإن ظاهرة الأطفال المتخلى عنهم وأطفال الشوارع تطرح كذلك مشاكل صحية بحيث أن اللأطفال من خلال حياتهم في الشارع وعدم توفير الرعاية الصحية المناسبة لهم، قد يكتسبون أمراض معدية بعضها يكون خطيرا مما تكون له عواقب وخيمة على المجتمع في مجال الصحة.

خاتــــــــمـة

إنطلاقا مما سبق يمكن إستنتاج أن ظاهرة الأطفال المتخلى عنهم وأطفال الشوارع هي ظاهرة جد خطيرة نظرا للمشاكل الوخيمة التي تطرحها سواء على هذه الفئة من أطفالنا نفسها أو على المجتمع ككل خاصة وأن الظاهرة هي في تزايد مستمر كما تشير إلى ذلك الإحصائيات، لدى وجب حماية هذه الفئة وضمان تمتعها بالحقوق المقررة للأطفال الواردة في الاتفاقيات الأممية ذات الصلة وكذا في دساتير الدول وقوانينها الوطنية، كما يجب اعتماد سياسات واستراتيجيات فعالة من أجل تنزيل هذه القوانين على أرض الواقع، دون أن ننسى ضرورة خلق وعي مجتمعي إزاء الظاهرة الشيء الذي سيمكننا من حصر هذه الأخيرة والتقليل من آثارها السلبية.

لائحـــــة المراجـــــــع

[1] سلوى المسعودي، دور المجتمع المدني في إدماج أطفال الشوارع، رسالة لنيل دبلوم الدراسات العليا المتخصصة في القانون الخاص، كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية، جامعة سيدي محمد بن عبد الله – فاس، السنة الجامعية 2009/2008، ص : 26.
[2] بولشلوش مختارية، ظاهرة أطفال الشوارع وانعكاساتها على المجتمع (دراسة ميدانية لعينة من الأطفال بمركز التكفل وإعادة التربية الأبيار)، رسالة لنيل شهادة الماجستير في علم الإجتماع التربوي والثقافي، جامعة الجزائر 2، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، قسم علم الإجتماع، السنة الجامعية 2011-2012، ص: من 87 إلى 95.
[3] سلوى المسعودي، مرجع سابق، ص: 22.
[4] ميلود حبيبي، د. أحمد تفاسكا، علال بلعزمية، تعليم المتشردين وتدريبهم مهنيا، منشورات المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة -إيسيسكو- 2000، ر.إ.ق.: 2000/1417، مطبعة فضالة المحمدية، ص: 20.
[5] رضوان بورشوق، مقال بعنوان "أوجه قصور حماية الطفولة بالمغرب"، منشور بالوقع الإلكتروني http://www.marocdroit.com بتاريخ 5 مارس 2014، تمت الزيارة في 10 دجنبر 2017.
[6] بولشلوش مختارية، مرجع سابق، ص: 106 و 107.
[7] المرجع السابق، ص: 7.
[8] الحسن بن طلال، صدر الدين أغاخان، أطفال الشوارع مأساة حضرية متنامية، منتدى الفكر العربي -عمان ، الطبعة الأولى مارس 1987، ر.إ.ق. لدى مديرية المكتبات والوثائق الوطنية 103/3/1987، ص: 17 و 32.
[9] رضوان بورشوق، مرجع سابق، نفس تاريخ الزيارة.
[10] عبد الرزاق صطيلي، مقال بعنوان "الأطفال المتخلى عنهم، طفولة يطبعها الحرمان" منشور بالموقع الإلكتروني: الحوار المتمدن http://www.m.ahewar.org بتاريخ 27 أبريل 2013، تمت الزيارة في 14 دجنبر 2017.
[11] محمد الدريج ، الأطفال في وضعية صعبة ، منشورات رمسيس المغرب ، العدد 25 ، سنة 2002 ، ص: 144.