قضية المهدي بوكيو باتت قضية رأي عام دولي / الحرية هنا و الآن.

المعانيد الشرقي

2018 / 5 / 10

قضية المهدي بوكيو باتت قضية رأي عام دولي.
الحرية هنا و الآن
عندما تُسلب الحرية تعيش الذات خارج الزمن، فالساعة أضحت شهوراً و اليوم بات سنيناً، ذات عوضها رقم داخل زنزانة فاستنجدت بالكتابة علّها تصف كبد العزلة و الألم بما يجعلها تتنفس الصعداء و تبوح للغير بما خالجها غداة سنوات الإعتقال. فأية بلاغة هذه يمكنها أن تستوعب هكذا بوح موغل في الألم؟
كيف يمكن للغة أن تُسعف السجين في سرد حكاية درامية عاشها دون اقتراف ما أدين من أجله دون موجب حق؟
ستعانق الحرية لا محالة أخي المهدي و في قريب الأيام، ليس هذا كلام مجاني عابر و لا حديث الصم و البكم، إنها اللغة التي تستجدي العقل لتحليل تفاصيل ملفك المفبرك، نعم، العقل، الذي يحلل و يقارن و يقارب و يقيس و يستنتج النتائج في الأخير عبر المنطق آلة تفك صدء الكلمات، لتجعلها نوراً وهاجاً يرسم طريق الحق و يزيل الشبهات، فينجلي ليل الظلم و تلبس توب الحرية من جديد. ليس كلامي هذا ضرباً من الهلوسة و ترقيع لأسمال بالية، بل هو عين العقل التي تراقب ما جرى و يجري لدراما تم نسجها بشخصك البرئ و عائلتك التي تجرعت طعم السم بلا هوادة..
قضيتك أخي المهدي باتت قضية دولية تجاوزت حدود هذا " الوطن "، قضيتك هي على لسان المثقف الرصين و بكل لغات العالم. سمعت في الأيام القليلة المنصرمة حواراً تم بثه على قناة البي بي سي البريطانية تعمل على تحليل قضايانا المغربية المرتبطة بالسجون، على غرار دول أخرى، فتداول اسمك على فم أحد المحامين يعرف جيداً اهتماماتك الفكرية و السياسية، حيث عبر من خلال امتعاضه الشديد بالقول: " عندما يُسجن شاب من هذه الطينة في بلد ينادي بحقوق الإنسان فتأكدوا يا أصدقائي أن المغرب بلد يُسَوِّق للشكل و يُضمر الجوهر، و أن هذه الأمور التي تتنافى مع القضايا الحقوقية لن تزيد الوضع المتطرف إلا استفحالاً و تأزُّماً." شهادة كهذه، كفيلة بأن تجعل الظلام الدامس ينجلي عن ما نُسب إليك من ترهات حجبت عنك الحرية في توبها القشيب، لكن هيهات هيهات لعديمي الضمير الذين يسوقون لضبابية لن تنفعهم في شيء غير تكريس الضغينة و خلع الوطنية عن شباب مغربي يتوق إلى حمل مشعل الحياة و جلب الرفاه و التقدم لبلده غير ما مرة من خلال تكوينه الرصين و دماثة أخلاقه المرصعة بضمير الواجب الذي ينادي من دواخل كل شاب طموح يصبو إلى حمل علم بلده خفّاقاً بين الشعوب و الأمم مزهواً بما أنجزه في غمرة التنافس و التدافع لاحتلال مراتب الشرف و الريادة.
نعم، ستعانق الحرية و هذا أمر بات يلوح في الأفق، لأن تتالي الجلسات التي لم تجد قرائن دامغة لإدانتك بالمنسوب إليك لعمري خير دليل على ما أقول، و لو توفر للمحكمة سبب واحد دامغ لإدانتك لما تأخرت ساعة للنطق بالحكم من خلال جاهزية القضية..
فرغم ما جرى من تعسف، و رغم ما عانيت داخل زنزانتك، سيحل ذلك اليوم البهيج الذي ستنجلي فيه الحقيقة بشكل براق و بما لا يدع مجالاً للشك بأن قضيتك حملها مثقفون و دعاة حق، ليس في الوطن العربي فحسب، بل أضحت قضية دولية تلوكها ألسن أنجلوسكسونية و فرنكوفونية و على قنوات ذات صيت عالمي، تدافع عن الإنسان باستماتة واضعة في الأمام ما جاء به الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كأولوية إنسانية تُعيد النظر في توفير شروط المحكاكمة العادلة بكل مكوناتها..
أخي المهدي، سترجع لأهلك و دويك و تعانق أحبتك و خِلاّنك من جديد، و كأنّ أيام الإعتقال لم تَمكتُ غير ساعة، لقد بات في عِدادِ المُؤكد أن هذا الإعتقال مسرحية أُعِدّت على خاط و من خلال إخراج رديء. إن الدرس الذي يمكن أن يستفيد منه المرء و قد خَبر غياهب السجون هو أن خلف القضبان حياة أخرى غير تلك التي عاشها في بيته أو في المدرسة و الجامعة، إنها حياة واحدة لكن بتجربتين، بل بالأحرى تجارب عدة.
كم من سجين لم يدرس أدب السجون ساعة واحدة، لكنه خرج بروايات إما مكتوبة أو محفورة في ذاكرته و دَوّنَ مذكراته العصيبة بعد مُعانقته الحرية، و روى أيضاً ما ذاقه من عذاب و ألم عصرتهما لحظات عسيرة على أن تُفهم و تُستساغ من لدن العقل و الحس السليم.
لعل بريق الأمل يُشع يوماً بعد آخر و بعد تتالي جلسات المحكمة التي باتت عناوينها التأجيل و لا شيء غير الإرجاء، إرجاء يطوي و يخفي خلفه غموض محتويات الملف، لكن الحقيقة لا يمكن حجبها بخيط كما أن الشمس لا يمكن حجبها بالغربال. و عليه، توضحت تفاصيل ملفك أخي المهدي و بات في أمر المؤكد أن ساعات الإفراج قد لاحت و معها وميض الحياة و دفءُ الأسرة و الأحبة، لن يعد يفصلها عنّا و عنك غير سويعات..
ما أضيق العيش لولا فُسحة الأمل، أملٌ يُغديه جُموح الإرادة الطافقة بمخزون ذاكرتك التي ستفيض عرفاناً بعد خروجك من غياهب السجن، لقد دقت ساعة الحقيقة، و لن يتعذر الحق و يختفي ثانية واحدة بعد بروز شروطه الحقيقية للظهور.
أعرف جيداً أن الحياة تُعاش من خلال المسك بخيوط التجارب، و إن كانت هذه الأخيرة مُرّة كطعم العلقم، إلاّ أنها تنفع صاحبها و يلج باب الحياة من جديد كمولود استنشق هواء الوجود بصعوبة شاقة فور خروجه من بطن أمه، لكنه تكيف مع شروط هذا الوجود بعد أن أَلِف شروط تحققه كصورة و مادة.
لا شيء يعلو على إرادة الحياة، إرادة قال عنها الفيلسوف الألماني أرثور شوبنهاور الشيء الكثير من خلال مؤلفه الشهير " العالم كإرادة و تمثل" هذه الإرادة، رغم كونها تحمل إرادة للحياة. لكنها تحمل في الوقت ذاته وعيا شقياً. قال عنها نفس الفيلسوف و في ذات السياق: " إننا كالقنافذ يتصلق بعضنا ببعض طلباً للدفء، إلا أن شدة الإزدحام تُزعجنا، و مع ذلك نشعر بالتعاسة إذا تفرقنا." هكذا هي الحياة، مليئة بالكروب و الأحزان تارة و يُغلفها توب الفرح و السرور أحياناً أخرى، نعم، السرور الذي سيكون عنوان الإفراج عنك أيها الشاب المغربي الأصيل، مهما تم تدليس الحقائق سيسطع نور الحرية هنا و الآن.