العائلة الكردية في المهجر بين الإغتراب الحضاري والوجودي.

بير رستم
pirustem@gmail.com
2018 / 1 / 8

بير رستم (أحمد مصطفى)
كتبت قبل أيام بوستاً قلت فيه؛ أنت أيتها السيدة التي وصلت لبلد أوربي بعد أن دفع رجلك كل ما يملك من عقار وأملاك ثمناً لركوب بلم يوصلك لهذا البلد، لا تحاولي أن يكون أول جميلك له هو طلب الطلاق بحجة إنك لم تعرفي معه كل أيام حياتك في بلدك شيء من الحياة الكريمة أو الحرية الشخصية وأنت تتناسي الفرق الثقافي والحضاري بين مجتمعك في بلدك وهنا في البلد الجديد، بل تنسيّن بأنك أم وأبنائك بحاجة لرعاية العائلة. للأسف عدد من نساءنا الكرديات والسوريات وفور وصولهن للبلدان الأوربية طلبن الطلاق بعد زواج ربما يزيد عن ربع قرن متناسين كل تلك العشرة، بل متناسين واجباتهن كأمهات بحجة أن أزواجهن كانوا سيئين معهن في البلد؛ يعني حضرتها ما إكتشفت سيئات زوجها كل الفترة الماضية أو بالأحرى ما كانت تتجرأ على الطلاق خوفاً من الرادع الاجتماعي .. طيب شو راح يكون وضعها لو على إفتراض أن هذه البلدان رجعتنا كليتنا لبلادنا ومناطقنا وبأي واقع مزري راح تنوضع متل هي المرأة.. سؤال نوجهه لهذه الشريحة من النساء الكرديات والسوريات عموماً؟!

ويبدو أن البوست قد لامس جانب حساس وإشكالي في واقع عائلاتنا المغتربة والمهاجرة ولا أريد أن أقول المنفية وربما هذه الأخيرة أكثر تعبيراً عن حال هذه العائلات في بلاد المهجر حيث ومن خلال المعاشرة والمتابعة تجد بأن أغلب هذه العوائل _إن لم نقل جميعها_ تعيش في جزر أرخبيلية منفصلة عن واقع المجتمعات الجديدة وغير قابلة على الإندماج والتواصل مع البيئة الحضارية الجديدة وذلك لأسباب لغوية وأخرى ثقافية حضارية ولكن للأسف بعض الإخوة والأخوات فهم الموضوع وكأنه نوع من التحامل على المرأة أو إنحيازاً لذكوريتي _رغم إنني لا أقدر أن أنفي هذه الأخيرة حيث مهما حاولت أن أكون موضوعياً ستبقى للعوامل النفسية والتربوية وكذلك الحضارية والثقافية دورها في ذاك الانحياز اللاواعي_ ولكن ورغم ذلك فإنني في حياتي الواقعية كرب أسرة وكذلك في كتاباتي أحاول أن أكون على مسافة واحدة من الجنسين وسأحاول هنا كذلك أن أكون موضوعياً وذلك بخصوص واقع العائلة الكردية في المهجر ومشكلاتها والأسباب التي تقف خلف تفكك تلك العوائل وصولاً للطلاق وضياع الأسرة في ظاهرة باتت شبه مسشرية في واقع عائلاتنا المهاجرة.

طبعاً لن تدعي مقالة وكاتب الإلمام بكل الجوانب، لكننا سنحاول الوقوف على الظاهرة في مفاصلها وبنودها العريضة حيث نعلم جميعاً بأن هناك واقع حضاري مختلف بين مجتمعاتنا الأصلية "الشرق" والتي هاجرنا منها وبين هذه المجتمعات "الغربية" التي وفدنا أو هُجّرنا إليها .. وهكذا فإن العائلة السورية والكردية على وجه الخصوص لها ثقافتها وتقاليدها وأعرافها، إنني أقولها على المستوى الثقافي الحضاري كواقع لمجتمعاتنا وليس حباً وتمسكاً بها، بل بيئة حضارية كما قلت وبالتالي فإن هذه العائلة الكردية؛ رجالاً ونساءً وأطفال لها قيمها الحضارية التي تربت عليها ولذلك وبوصولها لهذه المجتمعات لن تكون بقدرتها على التأقلم وتغيير جلدها وثقافتها وعوالمها من أعراف وتقاليد، بل سوف تحتاج ربما لسنوات وأجيال لتكون لها القدرة على التغيير والتأقلم مع البيئات الحضارية الجديدة؛ بكلام أوضح نقول: بأن الرجل الكردي الذي تربى وعاش بقيم الرجولة والذكورة في واقعه الشرقي الكردي وعرف بأن المرأة والأولاد يجب أن يشيروه ويطيعوه في كل شاردة وواردة، فإنه لن يتقبل بسهولة أن تقف زوجته أو أحد أبنائه أمامه وهي أو هو يعارضه في قضية ما ولنفترض ببعض الممارسات التي تتعلق بالحريات الشخصية.

للأسف ربما البعض يفسر الظاهرة السابقة وطرحنا لها بذاك الأسلوب هو نوع من التحيز للرجل، لا يا سيدتي.. بل هي قراءة في واقع القضية وعلينا الإقرار بذلك ولو أنها خاطئة، لكن معالجة الخطأ لا يكون بخطأ أكبر بحيث نقوم بالتدمير، بل علينا محاولة الترميم والاصلاح وهذه ستحتاج إلى جهد وزمن حتى يتم التغيير ومن ثم ترسخه في ثقافة لها من الجذور الحضارية والتاريخية الضاربة بأعماق التاريخ حيث لا يمكننا أن نغير من برمجة تلك الثقافة في عقل وثقافة إنسان يحمل تلك الجذور وذلك بمجرد وصوله لبلد أوربي يختلف حضارياً وثقافياً، بل أنت وكأمرأة كردية شرقية لن يكون بمقدروك كذلك أن تغيري من كل القيم الحضارية والثقافية التي تحملينها كجزء من تراثك وشخصيتك الحضارية والوطنية وذلك على الرغم من محاولاتك الحثيثة للتأقلم مع البيئات الجديدة حيث وللأسف لم تأخذي غير القشور والمظهر الخارجي من الحضارة الجديدة الغربية مع الإبقاء على "الجوهر" وما تحملين من ثقافة ووعي معرفي اجتماعي شرقي متخلف ومأزوم .. أعود وأقول؛ بأن هذا ليس تحيزاً لطرف، بل واقع ثقافي حضاري.

لكن السؤال الملح والأهم؛ هل تتحمل المرأة وحدها المسؤولية .. بالتأكيد الإجابة هي النفي، بل المرأة نفسها هي ضحية تلك الثقافة والقيم الحضارية التي توارثناها عن ثقافتنا وبالتالي فإن المعالجة تكون من خلال الوعي بالقضية ومن ثم البحث عن الحلول والمعالجة وهنا دور المؤسسات الاستشارية والرعوية مهم وكون مجتمعاتنا الكردية تفتقر لهكذا مؤسسات فيبقى لأحزابنا وبعض المؤسسات الاجتماعية والثقافية دور كبير في هذه القضية بالارشاد والتوعية لهذه المسائل والقضايا ومحاولة الدخول إلى واقع هذه العوائل والأسر بهدف التوعية بهذه المخاطر ويأتي كذلك دور رب الأسرة في مرتبة مهمة بحيث عليه هو الآخر الادراك والمعرفة بأن لا يمكن له أن يمارس ذكوريته في واقع اجتماعي وحضاري مختلف أخلاقياً وثقافياً وبالتالي العمل الجاد من كل الأطراف للحفاظ على العائلة والأبناء من الضياع والتشتت، لكن وللأسف فإن ما نلاحظه في واقع جالياتنا الكردية في المهجر هو نوع من الانفلات وغياب أي نشاط وخاصةً من الأحزاب الكردية بخصوص هذه القضايا الاشكالية وبالتالي ومع غياب الوعي الاجتماعي فإن الكارثة باتت تهدد الجميع في ظل بيئة اجتماعية ثقافية توفر للمرأة والأولاد الرعاية والحماية، مما تشجع الكثير من النساء للتخلص من ذاك الزوج الأرعن ولو على حساب ضياع العائلة.

كلمة أخيرة؛ بحكم واقعي ومعاشرتي ومتابعتي لهذا الواقع يمكنني القول: بأن أغلب العائلات وخصوصاً الرجل، يريد العودة بأسرته إلى بلده وبيئته الاجتماعية الأصلية _أي إلى تلك المناطق والقرى التي خرج منها_ لكن يصطدم بعوائق عدة منها؛ أن الأبناء باتوا في ضياع بين الواقع الجديد والقديم حيث من خرج منذ سنوات أربع وخمس لن يقدر أن يعود مجدداً وبسهولة وذلك بحكم العمل والدراسة في البلد الجديد حيث بعودته يعني الضياع واقعاً فهو يكون قد ضيّع على أبنائه الدراسة هنا وكذلك في بلده وكذلك هناك من الأبناء وحتى النساء باتوا يملكون من المهارات والحصول على بعض الشهادات المهنية التي أدخلتهم لوظائف في بعض المؤسسات، مما أكسبهم قوة شخصية ومصدر رزق يوفر لهم العيش الرغيد، بل حتى ذاك الذي ما زال على الضمان والرعاية الاجتماعية "السوسيال" أصبح يجد في هذا الاستسهال الارتزاقي نوع من العيش والحياة السعيدة بحيث لن يكون من السهل إقناع هؤلاء بالعودة لتلك البيئات المجتمعية التي تكون فيها الحصول على لقمة الخبر نوع من المكافحة الاستحالية وهنا يبقى الرجل وحيداً مشتتاً وضائعاً بين البقاء على الهامش في الواقع الاغترابي الجديد أم العودة للجذور وواقعه الحضاري القديم .. للأسف بات أكثرنا يعيش واقعاً لا يحسد عليه وذلك ما بين ضياعين؛ إما الضياع الحضاري أو الوجودي.