المصريون... حياة الحد الأدنى

حسين محمود التلاوي
hussein.talawy@yahoo.com
2018 / 1 / 5

إن كان يمكن وصف أسلوب حياة المصريين بتعبير مختصر، لا أعتقد أنه سيكون هناك ما هو أفضل من تعبير "حياة الحد الأدنى"، ولا أرى تعبيرًا غيره يصلح لوصف الحياة التي يعيشها المصريون في ظل الظروف المعيشية التي لا تخفى على أحد وإن كان يعيش في الجانب المظلم من القمر، وأعتقد أنه تعبير جدير بأن يدخل في أدبيات الدراسات الاجتماعية المصرية!
ويمكن الإشارة في اختصار إلى بعض الجوانب التي يتجلى فيها أسلوب معيشة "الحد الأدنى" أو ما يمكن أن يطلق عليه ببعض الحذلقة اللغوية "تمظهرات حياة الحد الأدنى في الممارسة اليومية المصرية". ولكن... ألا ينبغي في البداية أن أقدم تعريفًا أو حتى توضيحًا لما أرغب في الإشارة إليه بتعبير "حياة الحد الأدنى"؟! ربما يكون في السطور التالية ما يمثل التعريف أو يقدم التوضيح.
الحد الأدنى هو أقل ما يجب توافره من الشيء؛ فالحد الأدنى من الأجور هو الحد الأقل الذي يجب أن يتوافر للفرد نظير أدائه مهمة معينة. والحد الأدنى ليس له مستوى معين؛ فهو يختلف باختلاف المجال، وكذلك يختلف باختلاف المجتمعات، وفي هذا بيت القصيد!

كيف يعيش المصريون؟!
يعتبر تعبير "الرضا" من بين أكثر التعبيرات شيوعًا على ألسنة المصريين حتى إنه يعتبر مرادفًا للحال الجيدة؛ فعندما تسأل أحد الأشخاص هل هو راضٍ عن مستوى معيشته، يقول لك: "رضا"، إذا كان يعيش في بحبوحة، وقد يقول لك أيضًا الإجابة نفسها، إذا كان يعيش في ضائقة، ولكنه يتحمل لغياب البديل، ومنعًا لإمكانية السقوط في معصية السخط على قدر الله تعالى بأن يعيش في المستوى الذي يعيش فيه في لحظة سؤاله.
بسبب سوء تأويل مسألة الرضا بالقدر، صار المصريون يقبلون بالحد الأدنى في كل شيء منعًا للتورط في منزلق عدم الرضا بما هو مقسوم. التأويلات الدينية السلبية لا تقف عند حد الإرهاب والتكفير وحمل السلاح ضد الآمنين وغير ذلك، ولكنها تصل إلى مفاهيم مفصلية تتحكم في مسيرة حياة المجتمع وطريقة تربيته لأبنائه وتشكيله لعقولهم. ولكن... هل يقبل المصريون فعلًا بالحد الأدنى في كل شيء؟!
ربما يعترض البعض، ويقول إن المصريين لا يقبلون بالحد الأدنى، ويسعون دائمًا نحو الأفضل، و... حسنًا... لنأخذ على سبيل المثال الحقوق الأساسية للمواطنين مثل تنفس الهواء، وشرب الماء. بات المصريون الآن يسعون إلى الحصول على الحد الأدنى من الفوائد من الهواء والماء، وهو أن يستنشقوا هواءً ويشربوا ماءً لا يتسببا في مقتلهم!
هكذا صار طموح المصريين...! الهواء الذي من المفترض أن يستنشقه المرء لكي يعيش حياة صحية مليئة بالحيوية بات من طموح المصريين أن يستنشقوا هواءً لا يقتلهم. كذلك الحال مع الماء؛ حيث بات من طموح المصريين أن يشربوا ماءً نظيفًا لا يؤدي إلى إصابتهم بالأمراض... الماء ذلك هو السائل الذي يُطلق عليه هو سر الحياة، إن كان هناك من لا يعلم!
إن كانت ورطة المصريين مع الحد الأدنى قد توقفت عند الماء والهواء، لكان الأمر كافيًا لإدانة مجتمع بأسره بالرضا بالحد الأدنى، ومطالبة المسئولين المصريين بألا يقدموا للشعب إلا ما رضي هو به، وهو الحد الأدنى.
ولكن الأمر تشعب ووصل إلى نواحٍ كثيرة في الحياة، مثل التعليم؛ حيث بات طموح المواطن المصري أن يلتحق أبناؤه بالتعليم لا ليتلقوا العلم، ولكن ليحصلوا على الشهادة الرسمية الموثقة بأنهم اجتازوا المراحل التعليمية المختلفة. أما مسألة الحصول على العلم فهناك الكثير من الطرق غير الطريق الرسمي للحصول عليها، ومن بينها الدورات التدريبية التي تقدم الأساسيات التي من المفترض أن يكون الفرد قد تلقاها أثناء العملية التعليمية الرسمية.
وفي المواصلات العامة، لم يعد المصري يهتم بحالة وسيلة المواصلات التي يستقلها؛ فالمهم لديه هو أن تصل به إلى وجهته، ولو اضطر إلى الوقوف في الميكروباصات الصغيرة منحنيًا لمسافة ليست بالقصيرة إما ليصل إلى وجهته، أو ليجلس مكان أحد الركاب الذي سوف ينزل في محطة تالية.
الأمثلة كثيرة على هذا "الحد الأدنى" اللعين الذي تسرب إلى حياة المصريين فبات المصطلح المهيمن عليها للعديد من الأسباب على رأسها محاولة الإفقار التي دأبت عليها السلطات السياسية منذ سياسة الانفتاح الملعونة التي ورط فيها الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات الشعب المصري؛ حيث سقط المصريون بمقتضى الانفتاح في دوامة السعي إلى توفير الاحتياجات اليومية وابتعدوا عن كل شيء في الحياة يمكن أن يؤثر على مسعاهم هذا؛ فلا محاولة للتحسين؛ لأن كل محاولة لتحسين الوضع ترتد بالوضع إلى ما هو أسوأ، وفي ما جرى بعد ثورة يناير خير دليل على ذلك!
من بين الأسباب الأخرى كما قلنا سوء تأويل النصوص الدينية التي تدعو إلى الرضا بالقضاء والقدر، ومن بينها حديث الرسول عليه الصلاة والسلام المتعلق بالنظر إلى من هو أسفل من المرء، إذا ما راحت عينا المرء إلى من هو أعلى منه. فعن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إذا نظر أحدكم إلى من فضل عليه في المال والخلق فلينظر إلى من هو أسفل منه". أسيء فهم هذا الحديث النبوي الشريف بأنه دعوة إلى الرضا بما هو قائم دون محاولة لتغييره مع نسيان عدة نقاط شديدة الأهمية في مضمون الحديث. النقطة الأولى هي أن هذا الحديث المقصود به تبصرة المرء بما أنعم الله تعالى به عليه من مباهج الحياة؛ فعليه أن يتذكرها بان ينظر إلى من هو أسفل منه. ولكن... هل لدى المصريين الآن الحد الأدنى من مباهج الحياة هذه؟! المصريون يكافحون الآن لكي يتجرعوا ماءً لا يقتلهم. مريض الكلى يقال له إنه يتعين عليه أن يشرب الكثير من الماء لكي يشفى، ولكن المشكلة هي أن الماء الذي يتعين عليه أن يشرب منه الكثير هو نفسه الماء الذي تسبب في إمراضه!!
النقطة الثانية هي أن الحديث يتناول ظرفًا استثنائيًّا يشعر فيه المرء بالأسى والألم؛ لأنه لم ينل من متع الدنيا ما نال غيره، ولكن الوضع الذي يعيشه المصريون الآن هو وضع دائم منذ السبعينات؛ المصريون في هذه الحال الأدنى منذ ما يزيد على الأربعين عامًا... هل هذا ظرف استثنائي؟!
النقطة الثالثة هي أن الحديث لم يرد فيه ما يحث المرء على البقاء في المستنقع أو الحضيض؛ فلم يرد فيه ما يحث المرء على أن يرضى المرء بأن يتناول ماءً ملوثًا يريد به الشفاء فيتضاعف لديه المرض والبلاء. لم يرد في الحديث النبوي الشريف أي شيء يتعلق بهذا. ولكنه سوء تأويل النصوص الدينية الذي اجتمع فيه الفاسدون من رجال الدين مع المفسدين من الساسة لكي يبقى هذا الشعب راضيًا بالحد الأدنى.
يقولون إن الشيوعيين يريدون أن يجعلوا مقدرات الشعب مشاعًا بين أيدي أبنائه. حسنًا أنا أقول إن الشيوعية لا تصلح لأن تطبق في مصر ليس إلا لأن المصريين الآن ليس لديهم ما يتداولونه مشاعًا بينهم!! هل يمكن تطبيق الاشتراكية في مصر؟! السؤال الذي من المفترض أن يسأل قبل ذلك: هل هناك ما يمكن أن يتشاركه المصريون من الأساس؟!
الخلاصة أن المصريين رضوا بالحد الأدنى من الحياة؛ رضوا بـ"حياة الحد الأدنى"، فلا ينتظرون إذن من قادتهم السياسيين أو الاجتماعيين أو الدينيين إلا أن يمنحوهم ما رضوا به.