ثلاثية السياسي والحقوقي والديني

عبد الحسين شعبان
drshaban21@hotmail.com
2017 / 12 / 27

ظلّت العلاقة بين السياسي والحقوقي والديني من أعقد القضايا الفكرية والثقافية والحقوقية في العالم العربي على الإطلاق، لأنها علاقة تحيط بجميع جوانب الحياة في توجّهات الدولة والمجتمع والفرد. ومع أن العلاقة منفصلة بحكم تنوّع حقولها، لكنها متّصلة ومتداخلة ومتفاعلة، وهي تشمل الوحدة والصراع في آن، إذْ لا يمكن فكّ الاشتباك فيما بينها، لأنها علاقة عضوية وجدلية وروحية في الآن.
والأمر ليس جديداً، لكن بعض مظاهر الاختلافات أخذت تزداد تعقيداً، بل اتخذ بعضها شكلاً تصادمياً أحياناً، سواء فيما يخص التشريعات والقوانين وخصوصاً فيما يتعلق بحقوق المرأة أو قضايا النضال المطلبي الحقوقي، ولاسيّما ما يخصّ حقوق الإنسان، وكلاهما يلامس على نحو مباشر موقع الدين في هذه المعادلة، وهو يتعلّق بالفتاوى والاجتهادات الفقهية التي تتعارض أحياناً مع السياسي والحقوقي، وقد تترك صراعات الديني معهما أو مع أحدهما تأثيرات مجتمعية انقسامية أحياناً، وخصوصاً لو أخذ بها فريق من الناس بما يتعارض مع القوانين الوضعية للدولة.
وإذا كان السياسي يهدف للوصول إلى السلطة لتطبيق برنامجه فإن الحقوقي يهدف إلى تقييد أداء السلطة السياسية بشكل خاص والسياسي بشكل عام، بإلزامهما بالمعايير والقيم الإنسانية التي تؤكد حماية الحقوق والحرّيات. وبهذا المعنى تختلف آليات السياسي عن آليات الحقوقي والديني، ومثلما تختلف الغايات فالوسائل هي الأخرى تكون مختلفة في الكثير من الأحيان.
وفي حين يحاول السياسي تمرير برنامجه من خلال سلطة الدولة، خلال وجوده في الحكم أو في معارضته حين يكون خارج الحكم، بينما يستخدم الديني، الوعظ والإرشاد والفتوى، أحياناً لفرض رأيه وتعميم وجهات نظره.
وإذا كانت آليات السياسي «آنية»، فإن آليات الحقوقي «بعدية»، أي أن حركته في الغالب هي بعد وقوع الانتهاكات، لأن آليات الوقاية أو المنع لا تزال محدودة جداً. أما آليات الديني فإنها «آخروية»، ويزداد الاحتدام حين يُراد اعتبارها دنيوية أو إقحامها بالشأن السياسي اليومي أو بالشأن الحقوقي والقانوني. وإذا ما أريد زج الدين بالسياسة أو تديين الدولة فسيدخل الدين في حقل المضاربات، خصوصاً وأن من يمارسه بشر يصدرون تعليمات على شكل أحكام أو فتاوى قد تكون صحيحة وقد تكون خاطئة، وهي آراء فقهية من صنع الإنسان وليست وحياً إلهياً، الأمر الذي سيفقد الدين جانبه الروحي.
فهل يمكن رسم «استراتيجية» تتوافق فيها السياسة مع الحقوق دون أن تتعارض مع القيم الدينية، حتى وإن اختلفت الأهداف، وبالطبع الوسائل أيضاً؟ إن مثل تلك الاستراتيجية ممكنة حين تتصالح الحقول الثلاثة مع نفسها أولاً وثانياً في إطار عقد اجتماعي يعلي من شأن الدولة، ويبقى الدين تعبيراً عن حاجة روحية تربط الإنسان بخالقه ولا ينبغي حشره في العمل السياسي اليومي أو أي عمل من شأنه أن يبعده عن وظيفته التي يفترض فيها أن تكون توحيدية وجامعة.
ومثلما تبدو هذه العلاقة متّصلة فهي منفصلة بين السياسي والحقوقي والديني، أي بين الآني والبعدي والآخروي، وهي علاقة مركّبة لا تزال تشغل الفكر السياسي في منطقتنا العربية والإسلامية ويزداد أمرها صعوبة، بل وخطراً أحياناً، حين تنتقل من التنظير إلى التنفيذ، وخصوصاً حين يتجه الدين بفعل عوامل وضغوط مختلفة إلى التعصّب والتطرّف والعنف والإرهاب، ويتخذ منحىً طائفياً سياسياً.
وما الفتنة الطائفية في مجتمعاتنا إلّا انعكاس لمثل هذه الاستقطابات والتخندقات بين الديني والسياسي، وبين الديني والحقوقي، وبعضها يذهب بعيداً ليقول بين «المقدس والمدنّس» وبين «الإيمان والكفر»، فينهي النقاش والجدال بوضع حدّ له، خصوصاً وأن الدين عقيدة، في حين أن كل ما يتعلق بالحقوق له علاقة بالعقل والتطور والتقدم في حاجات الإنسانية الروحية والمادية، مثلما هو انعكاس للأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والثقافية.
وكثيراً ما جرت محاولة لتدوير نصوص دينية لكي تصبُّ لصالح حاكم أو سياسي أو بالعكس من ذلك، والمسألة ليست قديمة فحسب، بل هي جديدة أيضاً، ولا تتعلّق أحياناً بالعالم الثالث، بل إن بعضها بالعالم المتقدّم، فالحرب على العراق، حسب رؤية جورج دبليو بوش، هي بمثابة و«حي الهي» أو «وعد ربّاني». وكانت رحلة ابن رشد نحو الحقيقة قد حملت التباس علاقة السياسي بالديني والعقل التساؤلي بالعقل التبشيري والعقل النقدي بالعقل الإيماني.
وقد حمل «داعش» الملف الديني والحقوقي والسياسي في أطروحته لإقامة «دولة الخلافة» بتأثيم وتحريم وتجريم كل رأي مخالف لتوجهاته التي تزعم أنها تقوم على الدين، وهناك ممارسات باسم الدين لا يجمعها جامع بقيمه، فضلاً عن القيم الإنسانية المشتركة والتطور السياسي والقانوني ولاسيّما الدستوري، الذي وصل إليه المجتمع الإنساني. وحين نقول «داعش» فإننا نعني المظهر الأكثر همجية للإرهاب «الإسلاموي» وللجماعات التكفيرية بمختلف مسميّاتها.
إن إقامة علاقة سويّة بين السياسي والحقوقي والديني تحتاج إلى الإقرار بمرجعية الدولة باعتبارها هي الفيصل في الحكم، وهذه الأخيرة يفترض فيها احترام المجال الديني وحرّية العبادة وممارسة الطقوس بكل ما يوفّر قيام الدولة بواجبها، مثلما يحتاج إلى تلبية الحدّ الأدنى من الحقوق والحريات، باعتبارها لا غنى عنها لتقدّم الدولة.