(المسيح الثائر) في اسفار الشاعر الاشتراكي المصري أمل دنقل

وديع العبيدي

2017 / 12 / 26

(المسيح الثائر) في اسفار الشاعر الاشتراكي المصري أمل دنقل
وديع العبيدي (ت)

سفر التكوين
 
(الإصحاح الأول)
في البدء كنت رجلا.. وامرأة.. وشجرة. 
كنتُ أباً وابنا.. وروحاً قدُسا. 
كنتُ الصباحَ.. والمسا.. 
والحدقة الثابتة المدورة. 
… … … 
وكان عرشي حجراً على ضفاف النهر 
وكانت الشياه.. 
ترعى، وكان النحلُ حول الزهرُ.. 
يطنُّ والإوزُّ يطفو في بحيرة السكون، 
والحياة.. 
تنبضُ - كالطاحونة البعيدة! 
حين رأيت أن كل ما أراه 
لا ينقذُ القلبَ من الملل!
*
(مبارزاتُ الديكة 
كانت هي التسلية الوحيدة 
في جلستي الوحيدة 
بين غصون الشجر المشتبكة! )
 
(الإصحاح الثاني)
قلتُ لنفسي لو نزلت الماء.. واغتسلت.. لانقسمت! 
(لو انقسمت.. لازدوجت.. وابتسمتْ)
وبعدما استحممت.. 
تناسجَ الزهرُ وشاحاً من مرارة الشفاهْ 
لففتُ فيه جسدي المصطكّ. 
(وكان عرشي طافيا.. كالفلك)
ورف عصفور على رأسي؛ 
وحط ينفض البلل. 
حدقت في قرارة المياه.. 
حدقت؛ كان ما أراه.. 
وجهي.. مكللا بتاج الشوك

(الإصحاح الثالث)
قلتُ: فليكن الحبُ في الأرض، لكنه لم يكن! 
قلتُ: فليذهب النهرُ في البحرُ، والبحر في السحبِ، 
والسحب في الجدبِ، والجدبُ في الخصبِ، ينبت 
خبزاً ليسندَ قلب الجياع، وعشباً لماشية 
الأرض، ظلا لمن يتغربُ في صحراء الشجنْ. 
ورأيتُ ابن آدم - ينصب أسواره حول مزرعة 
الله، يبتاع من حوله حرسا، ويبيع لإخوته 
الخبز والماء، يحتلبُ البقراتِ العجاف لتعطى اللبن
*
قلتُ فليكن الحب في الأرض، لكنه لم يكن. 
أصبح الحب ملكاً لمن يملكون الثمن! 
.. .. .. .. .. 
ورأى الربُّ ذلك غير حسنْ
*
قلت: فليكن العدلُ في الأرض؛ عين بعين وسن بسن. 
قلت: هل يأكل الذئب ذئباً، أو الشاه شاة؟ 
ولا تضع السيف في عنق اثنين: طفل.. وشيخ مسن. 
ورأيتُ ابن آدم يردى ابن آدم، يشعل في
المدن النارَ، يغرسُ خنجرهُ في بطون الحواملِ، 
يلقى أصابع أطفاله علفا للخيول، يقص الشفاه 
وروداً تزين مائدة النصر.. وهى تئن. 
أصبح العدل موتاً، وميزانه البندقية، أبناؤهُ 
صلبوا في الميادين، أو شنقوا في زوايا المدن. 
قلت: فليكن العدل في الأرض.. لكنه لم يكن. 
أصبح العدل ملكاً لمن جلسوا فوق عرش الجماجم بالطيلسان - 
الكفن! 
… … … 
ورأى الرب ذلك غير حسنْ!
*
قلت: فليكن العقل في الأرض.. 
تصغي إلى صوته المتزن. 
قلت: هل يبتنى الطير أعشاشه في فم الأفعوان، 
هل الدود يسكن في لهب النار، والبوم هل 
يضع الكحل في هدب عينيه، هل يبذر الملح 
من يرتجى القمح حين يدور الزمن؟
* * *
ورأيت ابن آدم وهو يجن، فيقتلع الشجر المتطاول، 
يبصق في البئر يلقى على صفحة النهر بالزيت، 
يسكن في البيت؛ ثم يخبئ في أسفل الباب 
قنبلة الموت، يؤوى العقارب في دفء أضلاعه، 
ويورث أبناءه دينه.. واسمه.. وقميص الفتن. 
أصبح العقل مغترباً يتسول، يقذفه صبية 
بالحجارة، يوقفه الجند عند الحدود، وتسحب 
منه الحكومات جنسية الوطني.. وتدرجه في 
قوائم من يكرهون الوطن. 
قلت: فليكن العقل في الأرض، لكنه لم يكن. 
سقط العقل في دورة النفي والسجن.. حتى يجن 
ورأى الرب ذلك غير حسن

(الإصحاح الرابع)
قلت: فلتكن الريح في الأرض؛ تكنس هذا العفن 
قلت: فلتكن الريح والدم… تقتلع الريح هسهسة؟ 
الورق الذابل المتشبث، يندلع الدم حتى 
الجذور فيزهرها ويطهرها، ثم يصعد في 
السوق.. والورق المتشابك. والثمر المتدلي؛ 
فيعصره العاصرون نبيذاً يزغرد في كل دن. 
قلت: فليكن الدم نهراً من الشهد ينساب تحت فراديس عدن. 
هذه الأرض حسناء، زينتها الفقراء لهم تتطيب، 
يعطونها الحب، تعطيهم النسل والكبرياء. 
قلت: لا يسكن الأغنياء بها. الأغنياء الذين 
يصوغون من عرق الأجراء نقود زنا.. ولآلئ 
تاج. وأقراط عاج.. ومسبحة للرياء. 
إنني أول الفقراء الذين يعيشون مغتربين؛ 
يموتون محتسبين لدى العزاء. 
قلت: فلتكن الأرض لى.. ولهم! 
(وأنا بينهم)
حين أخلع عنى ثياب السماء. 
فأنا أتقدس - في صرخة الجوع - فوق الفراش الخشن!

(الإصحاح الخامس)
حدقت في الصخر؛ وفى الينبوع 
رأيت وجهي في سمات الجوع! 
حدقت في جبيني المقلوب 
رأيتني : الصليب والمصلوب 
صرخت - كنت خارجاً من رحم الهناءة 
صرخت؛ أطلب البراءة 
كينونتي: مشنقتي 
وحبلي السري: 
حبلها 
المقطوع!
*

أغنية الكعكة الحجرية
سفر الخروج

(الاصحاح الاول)
أيها الواقفون على حافة المذبحة
ارفعوا الاسلحة
سقط الموت وانفرط القلب كالمسبحة
والدمُ انسابَ فوقَ الوِشاحْ
المنازل اضرحة
والزنازن اضرحة
والمدى اضرحة
فارفعوا الاسلحة
واتبعوني!
أنا ندم البارحة
رايتي عظمتان وجمجمة
وشعاري الصباح

(الاصحاح الثاني)
دقت الساعة المتعبة
رفعته أمه الطيبة
عينها
دفعته كعوب البنادق في المركبة
دقت الساعة المتعبة
نهضت امه نشفت منكبه
صفعته يد
ادخلته يد الله في التجربة
دقت الساعة المتعبة
امه رتقت جوربه
وخزنةُ عُيونُ المُحقَّقِ
حتى تفجر من جلده الدم والاجوبة
دقت الساعة المتعبة
دقت الساعة المتعبة

(الاصحاح الثالث)
عِندما تهبطينَ على سَاحةِ القَومِ, لا تَبْدئي بالسَّلامْ.
فهمُ الآن يقتَسِمون صغارَك فوقَ صِحَافِ الطعام
بعد أن أشعلوا النار في القش والسنبلة
مدنا للخيام.. مدناً ترتقي دَرَجَ المقصلهْ

(الإصحاح الرابع)
دقّتِ الساعةُ القاسيهْ
وقفوا في ميادينها الجهْمةِ الخَاويهْ
واستداروا على دَرَجاتِ النُّصُبْ
شجراً من لَهَبْ
تعصفُ الريحُ بين وُريقاتِه الغضَّةِ الدانيه
فَيئِنُّ: "بلادي.. بلادي
(بلادي البعيدهْ!)
دقت الساعةُ القاسيهْ
"انظروا.." هتفتْ غانيهْ
تتلوى بسيارة الرقَمِ الجُمركيِّ

ـــــــــــــــــــــــــــ
أمل دنقل [1940- 1983م] مواليد قنا/ صعيد مصر، ترك الدراسة في كلية الاداب لغرض العمل. كان وصوله (القاهرة) صدمة للقادم من بلاد الصعيد ومنظومتها الاجتماعية والقيمية، لذلك حافظ على الجوهر القيمي والنسغ الصعيدي الوطني الانساني في فكره وشعره .عاصر امل دنقل مرحلة الانبعاث القومي والاشتراكي لما بعد الخمسينيات، وشعارات أحلام العروبة والنهضة المصرية مما ساهم في تشكيل نفسيته. ومثل غيره صدم الشاعر بالانكسار العربي في عام (1967م)، وعبر عن صدمته في رائعته (البكاء بين يدي زرقاء اليمامة) ومجموعته (تعليق على ما حدث)
وفي اعقاب حرب (1973م) شهد أمل دنقل بعينيه النصر وضياعه وصرخ مع كل من صرخوا ضد معاهدة السلام الساداتي، وأطلق رائعته (لا تصالح). كان موقف أمل دنقل وغيره من الادباء الكبار من عملية السلام سبباً في اصطدامه بالسلطات المصرية وخاصة ان أشعاره كانت تقال في المظاهرات على ألسن الآلاف. وكان لاتفاقيات الذل تلك، طريق الى ازمة الخبز والغاء الدعم الحكومي للمواد العيشية الاساسية، باكورة اجراءات العولمة وفتح الحدود والبلاد للتجارة الراسمالية الامبريالية، التي اسفرت عن انتفاضات الخبز/ يناير (1977م) في كل من مصر وتونس، التي مهدت لانهيار برامج التنمية الوطنية ومناهج الاقتصاد المختلط، والسقوط في تبعية الدولار والسوق الامريكية. ومن شعره: البكاء بين يدي زرقاء اليمامة/ 1969م، تعليق على ما حدث/ 1971م، مقتل القمر/ 1974م، العهد الآتي/ 1975م، أقوال جديدة عن حرب بسوس/ 1983م، أوراق الغرفة 8/ 1983م. وفي السنوات الاربعة الاخيرة من عمره اشتدت عليه اعراض مرض السرطان الذي الزمه المستشفى/ الغرفة 8 كما وصفها في شعره، ليتوفى وسط حفاوة اصدقائه ومحبيه، ويدفن في الصعيد، جور قبر والده بحسب وصيته. امل دنقل صوت شعري اصيل وعميق، حافل بالمعانيوغني بالدلالات ويشتمل على شحنات عاطفية وانسانية متدفقة ومتفجرة، يجمع بين الثورية والسخرية والسوريالية وذرة الالم والحنان. ولعله تميز بقراءته النوعية وتوظيفه النص التوراتي برؤية معصرنة تتماهى مع الام الانسان العربي والقضية العربية، فيما استخدمها لاظهار بشاعة الظلم والاستغلال واهوال الحكم والهيمنة والعبودية، وهنا نصان من نصوصه . ويلحظ انه رغم استخدامه سفر التكوين، يسجل حضورا فاعلا لشخصية المسيح المخلص الذي تتماهى ملامحه مع صورة سبارتاكوس الثائر المحرر، المعاصرة لحقبة لاهوت التحرير في اميركا اللاتينية، ووصولها الى اواسط افريقيا، حيث يجري اغتيال الرمز تشي جيفارا [1928- 1967م] قائد الثورة الشعبية العالمية ضد الامبريالية الراسمالية . أمل دنقل ضمائر انسانية سوف تبقى صارخة بالانسانية حتى استعادة البشر نسغ انسانيتهم والثورة على العبودية والذل المحيط بهم باسم الدمقراطية والتمدن الغربي.