(المسيح واللصوص) للأديب والفنان الاشتراكي نجيب سرور

وديع العبيدي
wdobd14@gmail.com
2017 / 12 / 25

(المسيح واللصوص) للأديب والفنان الاشتراكي نجيب سرور
وديع العبيدي (تقديم)
- أبتاه!..
يصرخ في العراء على الصليب
ولآب مشغول بعيدا لا يجيب
عبثا تنادي.. (لا حياة لمن تنادي)
أنت منذ الآن وحدك،
أنت في البلوى يتيم
فايأسْ.
أبعد الصلب ثمة من رجاء؟
الكأس لم تعبرْ، وكم صليت
يا أبتاه، لم تعبرْ
لماذا لآب شاء
ما كنت لوما لا تشاء
لا أنت تدري، لا أنا ادري، ولا يدري أحد
لكن شيئا واحدا ندريه
أنت منذ الآن شاة سمّروها للخشب
-من هم؟
- وما الجدوى؟.. أتحيا يا قتيل/
لو قلت من هم قاتلوك؟
- (هذا جناه أبي عليّ)..
- والآب، مظلوم أبوك!
لكن رويدك، بعد لم تُصلَب
ستصلَبُ أنت منذ الآن ألفا كلّ يوم
بقلادة في صدر كاهن
أو رقية ما بين ثديي عاهرة
أيقونة في بيت قوّاد، كتاب
في جيب لوطيّ، ستحمل كلّ أوساخ البشر
ستصير منشفة بماخور لٍتُمسَح
فيك أيدي الداخلين / الخارجين
- يا للهلاك!
- انصت وكفّ عن الصراخ!
- الشوك غاص الى عظام الجمجمة
- ستكون اشواك تغوص الى نخاعك كل يوم
سيباح منذ الان باسمك كل شيء
سيباح قتل الابرياء
باسم المسيح
سيراق بحر من دماء
باسم المسيح
ستقام ابراج، قصور من جماجم
باسم المسيح
سيون عهر، خسّة، زيف، رياء، أي شيء
باسم المسيح
أنت الضحيّة
حقا، ولكن أنت مذنب
القاتل المقتول أنت!
- يا للهلاك!
انصت وكف عن الصراخ!
ذاك المساء
لما جلست الى العشاء
انوا جميعا جالسين
حتى يهوذا كان يجلس بينهم
(ما أكثر الاتباع حين يوزع الخبز المعلم)
مدوا اليك أكفهم -يا غابة الأيدي- فغطوا المائدة
ومضيت تعطي باليمين وبالشمال
خبزا: (كلوا خبزي)، وراحوا يأكلون
انوا جميعا يمضغون ويبلعون ويقسمون
لا لن نخون يا معلم!
والآن من منهم معك؟
يا أيها المصلوب من منهم هنا؟
لاذوا جميعا بالجحور
وإذذاك وحدك والصليب
لا، بل هنا لصان، كل دق مثلك في صليب
شكرا لهم، قد ميزوك عن اللصوص بتاج شوك!
- يا للهلاك!
- مهلا، فما هذان باللصين، لكن اللصوص
يأتون باسمك، ثم باسمك يحكمون
في أرضنا، أرض اللصوص
فغدا تراهم يخرجون من الجحور
جيشا من الكهّان، " خذ ما تستطيع
اصعد على جثث الجميع. دس فوق أعناق القطيع"
باسم المسيح
وسيحفظون بجيبهم عن ظهر قلب
ما خطه الاتباع عنك
لو جئت انت تجادل الكهّان،
سوف يدوخونك
سيقول لوقا: قال مرقس: ان متى قال: يوحنا يقول
"في البدء كان الأمر، اخرسْ"
- يا للهلاكّ
- سيكون الاف اللصوص
فوق العروش اباطرة
باسم المسيح
تيجانهم ذهب، ثيابهم حرير،
وفراشهم ريش النعام
وطعامهم لحم المسيح
- سكن سأعود يوما!
- هل تصدق ما تقول؟
- الآب قال بأنني حتما أعود
ملكا على أرض البشر
لتسود في الناس المسرّة والسلام.

ــــــــــــــــــــــــــــ
* نشرت في مجلة حوار لصاحبها توفيق صايغ- ع17- أغسطس 1965م- ص20- 23
* نجيب سرور [1932- 1978م] مواليد دقهلية/ مصر، شاعر، مسرحي، مخرج ومؤلف وناقد أدبي. ترك دراسة الحقوق ومال لدراسة الفنون في المعهد العالي للفنون وحصل على الدبلوم عام 1956. وهي السنة التي كتب فيها اول قصائده (الحذاء) عن المعانة التي عرضت لوالده على يد عمدة القرية. في عام (1958م) ارسلته الدولة في بعثة لدراسة الفنون في موسكو، حيث اسس جمعية الدمقراطيين العرب وضمت كثيرين، مما اسفر عن فقدانه منحة البعثة ثم ملاحقة المخابرات السوفيتية فرحل الى هنغاريا ومنها الى المغرب، في (1964م) عاد الى مصر مجازفا فاوع السجن لاكثر من مرة وتعرض للتعذيب، لكن كان يخرج اكثر قوة في كل مرة واكثر عنادا، ولم يترك بلده. في (1971م) قدم مسرحية (الذباب الازرق) عن ايلول الاسود في الاردن، فمنع العرض بالاتفاق بين مخابرات الاردن ومصر، واودع مستشفى الامراض العقلية وعومل معاملة غير انسانية، حتى وفاته جراء مرض القلب. يمثل نجيب سرور الظاهرة الفنية والفكرية والأدبية الاكثر تأثيرا في زمنه والزمن الحاضر. رفد الحياة المصرية بشعره ومسرحياته مؤلفا ومخرجا. ومن أعماله: ياسين وبهية/ 1965م، يا بهية وخبريني/ 1967م، الو يا مصر + ميرامار- عن رواية نجيب محفوظ-/ 1968م، كلمات متقاطعة/ 1969م، الحكم قبل المداولة + البيرق الابيض/ 1969م، ملك الشحاذين- عن اوبرا القروش لبريخت/ 1970م، الذباب الازرق/ 1971م، امنين اجيب ناس/ 1974م، بروتوكولات حكماء درويش/ 1978م، 1074- 1975م رباعيات نجيب سرور، اه يا ليل يا قمر، قولو لعين الشمس.
التحق بالحزب الشيوعي المصري منذ دراسته العالية في مصر، دون ان ينكشف امره، وبقي اشتراكيا ثوريا، ربما اقرب للخط السوداني مع جيلي عبد الرحمن، وعبد الخالق محجوب وما يزال سرور يستحق الدراسة والتامل وتطوير افكاره الثورة والاشتراكية.