(اعترافتان في الليل، والاقدام على الثالثة) للشاعر الاشتراكي العراقي مظفر النواب

وديع العبيدي

2017 / 12 / 24

(اعترافتان في الليل، والاقدام على الثالثة) للشاعر الاشتراكي العراقي مظفر النواب
وديع العبيدي (تعليق)

دقوا كفيّ بمسمارين
من الصدأ البارد
فارتجّ صليبي
وانهاروا من ألمي
سألوا قدميّ الغفران
وساح المكياج على أوجههم
والشرفُ
أينك... مولايَ
سكوتك أوجعُ من صلبي
وناداني في القفر
كأن غزالا يُسلخُ في حمى العشق
يشابك جفنيه الوطَفُ
هذا ثالثُ صلبٍ
أخشى في الرابع اكفرُ يا مولاي
وكلّ الأشياء بقلبي تنعطفُ
مولاي اتفقوا ساعةَ شنقي
حتى الموت
وحين شنقتُ اختلفوا
كانت ضحكتهم/ أخجل يا مولاي أقول
قد أسفوا بعد التنفيذ
فجاءت كما الطعنةُ في جسدي الأسفُ
مولاي.... شموعك ترتجفُ
سامحك العشق.. أبا الطين!
بشكّ الخزفُ
كنت أنت حضوري الدائم فيَّ
تعذبني فيك الصدفُ
ــــــــــــــــــ
مظفر النواب.. (مواليد بغداد 1935م) ليسانس لغة وأدب عربي من جامعة بغداد، عمل في التدريس متنقلا بين المحافظات العراقية، اعتقل غير مرة في الستينيات. وفي حقبته كات السجون العراقية حواضر للثقافة والابداع والألق الانساني، تشكلت فيها علاقات وبرزت اعمال وتيارات ادبية وسياسية، انعكست على الثقافة والحياة والسياسة الوطنية العراقية. انحاز النواب منذ حداثته للجماهير الكادحة والطبقات الفقيرة في المجتمع، وجعل من نفسه وثقافته وشعريته لسان حالها وترجمان أشواقها، فكانت بداياته خلال الخمسينيات بالشعر الشعبي العراقي (المكتوب بلغة العامة، وباختلاف مناطقها الفلاحية وريف الاهوار)، وقد استمر النواب شاعرا شعبيا بالدرجة الاولى ومن المرتبة الاولى - رغم انه ولد وعاش في العاصمة ولم يلتق الريف وفنونه الا بعد اكماله الجامعة خلال ادائه الخدمة العسكرية كضابط مجند في معسكر (السعدية) الى جانب يوسف العاني وصلاح خالص والخشالي. اما كتابته لشعر الفصحى فقد ارتبط بالغربة ووجوده خارج العراق سيما بعد (1970م) في بيروت ودمشق وعمله مع المقاومة الفلسطينية. وقد أبدع في الاثنين تجديدا وفرادة، لا يكاد يكون له مثيل او يتاح لأحد تقليده. ولكن النواب نفسه شاعر اشكالي، في نظرته لشعره ومراميز وأبنية كثير من قصائده. وما من قصيدة للنواب ليست اشكالية. فتعويل النواب في تقديم نفسه هو على فن الرسم والفن عموما، ولعل وصفه بالشاعر المسرحي ادنى للدقة، سواء في تقسيمه الداخلي للقصيدى الى حركات وأصوات، او طريقة تقديمه وقراءته الكسرحية والغنائية الطربية للشعر. على اني انظر اليه مفكرا يعتمد وسائل متنوعة لعرض وتوصيل فكرته شعرا او فنا، سخرية او هجاء او نكتة، او عويلا.
مظفر النواب الاشتراكي الشيوعي الثوري حد النسغ، هو باحث ومفكر وقارئ عميق ملم بالتراث العربي والاسلامي حد النسغ ايضا. وليس من السهل تفكيك الفكرة او المفردة، وتمييز الفاعلية الحضارية او الفاعلية العصرية او الاصرة التواصلية وفق النمط او المنهج النوابي. وبعد تغطيته الشاملة لجوانب التراث الاسلامي او البدوي والريفي، نراه في هاته القصيدة يوظف مرموزية صلب المسيح للفكرة السياسية الغالبة على نصف شعره، علما ان قضية الصلب سوف تبدو عند النواب او الشعر العربي عامة، صورة اخرى للمقتل الحسيني، مع تمايز البعد الأممي للمسيح، والبعد الطائفي للحسين. ان الشاعر هنا لا يكتب عن الخارج وانما يكتب عن نفسه، متماهيا في المصلوب، متمثلا بقول بولس الطرسوسي (مع المسيح صلبت، فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيّ!)-(غل2: 20). ولكن مسيح النواب لا يصلب مرة واحدة بحسب الانجيل، ولا مرتين بحسب كازانتزاكي في روايته (المسيح يصلب مرتين)، ليصلب ثلاث مرات، وفي توقع الرابعة. والدلالة هنا ذات بعد اجتماعي سياسي، كناية عن استمرار الية الفساد وعفونة الدول. والابعاد متعددة ومتشابكة في النص، لنها تبقى مأثرة مائزة حول عرفانية اليد المسيح في الأدب العربي عموما.