ذكريات معتقل علي جدار التاريخ - الحلقات الأربعة

سعد محمد عبدالله
simsimp666@gmail.com
2017 / 12 / 19

1- الحلقة الأولى:

سأروي لكم تجربتي مع معتقلات المؤتمر الوطني في عهد الظلم والإستبداد، والذي ما زلنا نقاومه مع شعبنا بكل صمود وثبات، ولا تراجع عن المطالبة بدولة الحرية والسلام والديمقراطية، وتعتبر هذه نقاط قليلة جدا من عدد حكاوي وروايات المعتقلين السياسيين في البلاد.

ففي إحدى الأيام من العام 2011م، اخذت حقائبي وتوجهت من سنار الي كادقلي، في رحلة ذات طابع سياسي وسياحي.

أ/ سياسيا: ذهبت الي كادقلي من أجل مساندة رفاقي في الحركة الشعبية لتحرير السودان، في حملة الإنتخابات التكميلية التي يخوضها مرشح الحركة الشعبية ورئيس هيئة أركان الجيش الشعبي قريبا ونائب رئيس الحركة الشعبية حاليا القائد عبدالعزيز آدم الحلو.

ب/ سياحيا: كنت اسمع من الرفاق والأصدقاء أحاديث وحكاوي مثيرة عن جمال الطبيعة في (كادقلي) وطيبة شعبها المتسامح والذي يعيش الحياة (ببساطة) لا تخلوا من السعادة والمرح وتعبر عن جمال الإنسان السوداني، ولأنني احب واعشق الطبيعة والتعرف علي الثقافات السودانية وطبائع المجتمعات، شدني (الخاطر) الي تلك المدينة الجميلة التي تحولت اليوم الي حطام.

ففي اليوم الثالث لوصولي الي كادقلي، اجبرتني الظروف للعودة الي الخرطوم، ومنها الي مسقط رأسي سنار، وبعد مغادرتي منها سمعت من احد الرفاق أنباء مؤسفة عن هجوم قوات المؤتمر الوطني علي جنوب كردفان، ورفض نظام المؤتمر الوطني الإعتراف بالإنتخابات التكميلية، بعد تأكد النظام في الخرطوم من تقدم القائد عبدالعزيز الحلو والذي يجد تقدير واحترام شعوب المنطقة.

وقتها تساجلنا مع عدد من الرفاق ومنسوبي الأحزاب السياسية المعارضة وبعض المواطنيين، حول مآلات الصراع السياسي بجنوب كردفان وهجمة النظام الغير مبررة، ولم نصل إلا لنتيجة واحدة هي سعي النظام لدق طبول الحرب.

جلس رئيس الحركة الشعبية الرفيق القائد/ مالك عقار مع وفد الحكومة بقيادة د/ نافع علي نافع وتم توقيع إتفاق إطاري بهدف ترتيب اوضاع السودان بعد انفصال دولة جنوب السودان، وقتها حسبنا أن الأوضاع تسير في الإتجاه الصحيح، لكن اتضح فيما بعد اننا كنا مخطئين في تقيم الوضع السياسي، فلم تمر ساعات علي توقيع الطرفين علي الإتفاق الإطاري إلا والنظام الإنقاذي يسوق جنوده ويزحف بكل آلياته العسكرية نحو إقليم النيل الأزرق، وفي ليلة مظلمة اتصل بي احد الرفاق وابلغني بنشوب صراع في النيل الأزرق ولا احد يعرف ماذا حدث هناك.

بعدها بيوم واحد قامت قوة من الأجهزة الأمنية بمحاصرة دور الحركة الشعبية بتوجيه من السلطات العليا في البلاد، وبلغنا أن دورنا بولاية سنار تمت محاصرتها بالكامل بحيث لا مجال لدخولها ولو علي (جناح طائر البجع)، وفي صباح اليوم التالي خرجت كالعادة الي (المقهى)، وفي رأسي تدور الأسئلة والتوقعات والإحتمالات والمقترحات والتي تحدها ملايين الإستفهامات، ولم يأخذ ذلك وقت حتي اتصل بي احد الرفاق من الحزب الشيوعي ودعاني الي جلسة علي ضفاف النيل، وبالطبع لبيت دعوته وذهبنا الي حيث مكان الجلسة، وكانت مسائل النيل الأزرق وجنوب كردفان ومستقبل السودان محاور أساسية في حديثنا العفوي.

وبعد مرور ساعات علي ضفاف النيل إستدعى القدر عودتي الي منزلنا الكامن بحي النصر - مايرنو، وعند وصولي الي المنزل وجدت ما يقارب الثلاثة عربات لاندكروزر تتبع لجهاز الأمن والمخابرات الوطني، تحيط بالمنزل من كل جانب وفي انتظار عودتي.

جئت اليهم مستفسرا عن سبب تواجدهم، فردوا بأنهم يردون أخذي معهم دون تبرير السبب، فاستأذنتهم أن ادخل المنزل لأودع والدتي فوافقوا علي ذلك.

خرجت اليهم بعد اقل من خمسة دقائق، وتم وضعي داخل إحدى العربات (البيضاء)، وتوجهنا الي قسم شرطة مايرنو بحي النصر، وهناك تحدثت لقائدهم لا اعرف اسمه مستفسرا عن اسباب القبض علي، اجابني بأنهم ينفذون أمر صدر من الجهات العليا لإعتقال قيادات واعضاء الحركة الشعبية، صمت وقتها وعرفت أن الوضع قد وصل الي منتهاه، وبعد نصف ساعة تم ترحيلي الي معتقل جهاز الأمن والمخابرات بحي البنيان - سنار، فوجدت هناك عدد كبير من قيادات الحركة الشعبية يجلسون في (ساحة المعتقل)، وأخذت الي زنزانة (متر في مترين)، بها نافذة صغيرة تطل علي إتجاهها الشمالي، ولم التقط انفاسي حتي داهمني (الباعوض) وبت لا أرى شيئا امامي من شدة الظلام.

وبعد ثلاثة ساعات جاء عدد من افراد جهاز الأمن يسوقون رجل اسمراني اللون وأبيض الرأس ذو قامة سمهرية، ميزت ملامحه من خلال ضوء (الكشاف) الذي كان بيد أحدهم، اجلس الرجل بجانبي في (زنزانتنا الجميلة)، وبعد ساعة سألني (من أنا ولماذا تم اعتقالي) واجبته عن اسئلته، ولما جاء دوري في السؤال اتضح لي انه رئيس حزب المؤتمر السوداني الأستاذ/ الماحي محمد سليمان، فتذكرت لقائنا في بعض المناسبات السياسية دون تعارف واحتكاك قريب.

أتت الساعة الحادية عشر مساء، وجاء احدهم مناديا بصوت غليظ .. اخرجني الي مكتبهم الملاصق لمكان الحبس، حيث بدأ استجوابي من قبل شخصين أحدهم يسأل والثاني يضرب ويرهب، ومن الأسئلة التي اتذكرها واوردها الصحفي حسن اسحق في تقريره الذي نشر في الصحف الإلكترونية تحت عنوان (معتقلون سابقون يكشفون عن عنصرية جهاز الأمن)، كانت كما يلي؟
1- ما هو منصبي في الحركة الشعبية.
2- ما هي طبيعة العلاقة مع القائد مالك عقار رئيس الحركة الشعبية.
3- اين باقي الرفاق الذين غادروا الولاية بعد تفجر أحداث النيل الأزرق.
وكانت إجاباتي علي اسئلتهم كالأتي؟
1- انا عضو في الحركة الشعبية لتحرير السودان.
2- لا توجد علاقة شخصية بيني والقائد عقار إلا في الإطار التنظيمي ولم التقي به إلا مرة واحدة في احتفال اقيم بالنيل الأزرق.
3- لا اعرف اين ذهب باقي الرفاق بعد قيام الحرب في النيل الأزرق.
وهناك اسئلة واجوبة آخرى لا استحضرها بسبب توتر اعصابي في ذلك الوقت مع سخونة المعاملة.

واستمر الإستجواب علي ثلاثة مراحل في ثلاثة ليالي، اعتقد انهم يريدون التأكد من الأقوال التي قلتها في المراحل السابقة، وبعدها جمعنا جميعا في (زاوية - مسجد صغير) داخل المعتقل، وطلب منا التنازل عن الأراء السياسية أي بمعنى التخلي عن الحركة الشعبية، وذلك في سؤال مباشر وجهه فرد جهاز الأمن يدعى (محمد علي) ، لكنا جوابنا بأننا حركة شعبية، إلا القليل منا، هم الذين لم يتحملوا مشقة المعتقل فقال احدهم (نحن شعب سوداني وليس حركة شعبية).

مرت ستة (6) ليالي علي هذا المنوال بين الشد والجذب والمسرحيات الأمنية والسياسية، حتي جاء مدير جهاز الأمن والمخابرات الوطني (محمد عطا) في زيارة الي المعتقل والمعتقلين، فجلس معنا متحدثا عن حالة الطوائ المفروضة في المنطقة، ومحذرا من أي نشاط سياسي للحركة الشعبية في سنار وخارجها، ثم طلب منا التحدث عن معاملتنا خلال الستة ايام السالفة من قبل جهاز الأمن، وتركنا الحديث للذين اعلنوا انسلاخهم من داخل المعتقل، وشخصيا لم اتحدث لكوني اصغر المعتقلين سنا وخبرة، فتم تفويجنا بعدد (2 الي 3) في خروجنا من المعتقل بفارق وقت يقدر بساعة بين خروج فوج وآخر.

عدت الي منزلنا وعرفت أن جهاز الأمن قام بتفتيش المنزل اثناء فترة اعتقالي، ولفترة طويلة كنت اشعر بالمراقبة اللصيقة حول المنزل والأماكن العامة التي اتواجد بها بشكل شبه يومي، ثم تحولت المراقبة الي ارسال بعض منسوبي المؤتمر الوطني لمناقشتي عن رأي ولوني السياسي، بهدف معرفة توجهاتي بعد حظر نشاط الحركة الشعبية.

توقف نشاطنا في الحركة الشعبية من النواحي التنظيمية علي أرض الواقع ووسط الجماهير، لكنا اخترنا منصات آخرى لنشر فكرنا ورأينا السياسي وتثبيت مشروع السودان الجديد، وكنا نعاون منظمات المجتمع المدني والأحزاب التي بيننا وإياها مساحة قضية ووطن في نضالها وكفاحها ضد سياسات النظام الحاكم، وهي تعاملنا باحترام وتقدر موقفنا ووضعنا الراهن، ونسعى معا من أجل الوصول الي دولة ديمقراطية حرة.

2- الحلقة الثانية:

شهد العام 2012م احداث ساخنة في ولاية سنار، وبلغ الحراك التنويري لحركة شباب مايرنو الثوري التقدمي مبلغ ازعج السلطة الإنقاذية الولائية، وفي هذا العام خرج الوالي السابق أحمد عباس الي الصحف السودانية مصرحا بأن تردي التعليم في الولاية يرجع لوجود قبائل غير ناطقة باللغة العربية، وحسب تراكم تصريحات قادة المؤتمر الوطني الغير أخلاقية والخادشة لمشاعر الجماهير، بالإضافة الي تدهور الخدمة المدنية بالمنطقة كنتاج مباشر لتهميشها، وعدم مقدرة الشخصيات الإنقاذية علي إدارة شؤنها والمطالبة بحقوق شعبها، مع سيطرتهم علي الساحة السياسية وإقصاء كل ذي رأي مخالف لتوجهاتهم، ما ساعد في اشتعال (براكين الغضب الشعبي) وتزايد الإحتقان السياسي الذي وصل حد التصادم، فقد قررنا مع عدد من الشباب المناضلين الشروع في القيام بعمل ثوري نتصدى به لسياسات الحكومة العنصرية وتحميلها حزم فشلها وقهرها للمواطنيين البسطاء مع التركيز علي تثبيت مفهوم (الأرض لنا جميعا) والثقافات السنارية لا تقبل التجزئة ولا التفرقة العنصرية.

اجتمعنا وقررنا الخروج الي الشارع من أجل مناهضة الظلم والقهر وطلبا لرد الحقوق المدنية والوطنية وصونها بالقانون و بترابط الشعب السناري وتضامنه في قضاياه.

وفي الصباح الباكر التقينا في احدى المقاهي التاريخية، واخذنا نرتب شعاراتنا ولافتاتنا، ثم تحركنا في اتجاه السوق نعلن عن مخاطبة جماهيرية كبرى ستقام وسط السوق، وقد اخذ الإعلان ما يقارب الساعة قبل عودتنا الي المكان المقرر لقيام المخاطبة.

التفت الجماهير حولنا في الساعة التاسعة صباحا وكنت من ضمن المخاطبين لها مع عدد من قادة الشباب المعارضين من مختلف الأحزاب وأخرون لا ينتمون للأحزاب، كل ما كان يجمعنا هو الوطن لا غير.

بعد إنتهاء المخاطبة التي استقرقت ساعتين تقريبا، خرجنا مع الجماهير نجوب شوارع المنطقة ونهتف برفض العنصرة وسياسات التهميش ونطالب باصلاح الخدمة المدنية، وصلت المظاهرة الي الطريق العام الرابط بين سنار وسنجة وصولا الي الدمازين، قوامها الشباب والنساء والصبايا، وارتكزنا هناك لفترة من الزمن، ثم تحركنا في سلسلة بشرية زاحفة علي طريق (البنطون) عائدين الي داخل المنطقة، وفي هذه اللحظة شاهدنا عربة تتبع للشرطة تأتي من خلف المتظاهرين مع بداية الطريق، وما إن اقتربت منهم إلا وبادرت باطلاق النار بهدف تخويفهم، ومهما كانت الدوافع فان اطلاق الرصاص الحي امام متظاهرين سلميين بينهم نسوة وأطفال تعتبر جريمة يجب محاسبة من قام بها طال الزمن أم قصر.

فوسط هذه الظروف الإستثنائية الصعبة صمدت المظاهرة لأطول وقت ممكن، حتي تم دعم عربة الشرطة بعربات آخرى، فتمكنوا من فض المظاهرة دون وجود عصابات في صفوف المتظاهرين، ولم تمر ساعات حتي أتت دعومات عسكرية من مركز الولاية، وتمت محاصرة منازل النشطاء المعارضين الذين اشتركوا في المظاهرة وطالبوا بحقوق شعبهم.

خرجنا الي سنار وسمعنا أن مواطني سنار قد خرجوا الي الشارع متضامنين وتم فض إحتجاجهم.

سافرت الي الخرطوم، وكنت علي اتصال بأهلي في المنطقة، وكنت اتابع استمرار الحصار علي منزلنا لمدة ثلاثة (3) ايام متواصلة، كما اتابع عملية البحث عن النشطاء واعتقال عدد منهم بواسطة منسوبي المؤتمر الوطني في المنطقة.

قررت العودة الي سنار، وعدت اليها، وانا اعلم انهم يكيدون المكائد متربصين بكل من لم يعتقل في ذلك اليوم التاريخي العظيم، لكني لم اكن ابالي بما قد يحدث في أي وقت، وكنت اشعر باننا اوصلنا رسالتنا اليهم، ولهم أن يفعلوا ما يحلو لهم.

اتصلت بأحد اصدقائي يدرس بجامعة سنار واخبرني أن الطلاب يقيمون احتفال لذكرى إستشهاد الرمز الطلابي (سوميت) الذي قتل برصاص الإنقاذيين في العام 2000م فخرجت مسرعا الي محطة المواصلات التي تبعد عن منزلنا بنحو (عشرين متر) تقريبا، تشدني الأشواق الي مشاهد ثورية طلاب جامعة سنار، وهم يهتفون باسم شخص قدم حياته فداء بلاده وشعبه واختار الرحيل عن الدنيا بشرف.

لم يكتمل الحلم الذي خرجت مسرعا لتحقيقه، وكعادتهم يقطعون الأحلام ويسرقون رونقها وهي في منتصف ربيعها، وصلت الي سوق سنار، منه توجهت الي شارع مستشفى سنار قاصدا جامعة سنار، وبدون أي مقدمات اجد نفسي محاط بثلاثة اشخاص لا اعرفهم ولم التقي بهم من قبل، يطلبون مني صعود عربة تقف جوار (السكة حديد) مقاصدة للمستشفى، ولما حاولت الإستفسار عن هويتهم قالوا انهم من جهاز الأمن يريدون التحقيق معي في بعض الأمور السياسية وسوف يتم اطلاق سراحي فورا.

صعدت العربة ولم تكن بها (لوحات)، توجهت بنا نحو (شارع سنجة) وطلب مني احدهم اغلاق الموبايل وفعلت، ثم ناولني قطعة قماش سوداء وطلب مني وضعها علي وجهي وفعلت، ثم قام بجلب (سلسل حديدي) وربط به يداي، وكانت العربة تسرع في اتجاهات لم استطيع تحديدها، فوصلنا الي مكان ما واخرجوني من عربتهم، وعندما فكت اغلالي ورفع عن وجهي الستار، لم اتمكن من تحديد موقعي، وادخلوني الي غرفة احسبها احدى مكاتبهم المهجورة والتي يحتمل استخدامها كمخزن لبعض الأثاثات المكتبية القديمة.

وبعد ساعات جاء شخصين وفتحوا الباب ولم يتحدث احد منهم، فقط اشار لي احدهم بطريقة فهمت انه يطلب مني القيام فقمت، وبقيامي اقعدوني ضربا بالسياط والخراطيش، ثم اغلقوا الباب وعادوا الي سكناتهم، وخلال الثلاثة ايام الأولى كانوا يكررون معي ذات السلوك، كأنها (حصة رياضية) لا بد من القيام بها كل يوم وفي توقيت واحد.

بعد إنتهاء الثلاثة ايام، كانوا يأتون بالأكل والشرب في المواعيد، ويتركونني اخذ وقت كافي للنوم وسمحوا لي بالإستحمام، ولم يتم التحقيق معي في أي ملف سياسي إلا في اليوم الأخير، حيث تم إستجوابي بشكل سريع، وجل الأسئلة كانت عشوائية لم افهم الهدف منها، مثلا السؤال عن المظاهرات، وسبب زيارتي لجامعة سنار، ولماذا اعارض النظام، ثم وضعوا امامي ورقة وقلم طالبين مني كتابة تعهد بوقف نشاطي السياسي، وكتبت ما طلب مني، لكني فور خروجي من سجنهم واصلت عملي في السياسة وفي الدعوة لإسقاط النظام.

وفي يوم 13/11/2012 جاء احدهم وطلب مني الخروج من الغرفة وفعلت، وقال لي سوف نتركك تذهب الي اهلك، وسنأتي لأخذك متى ما احتجنا لذلك، وطلب مني وضع (قماش اسود علي وجهي) وتم نقلي الي سوق سنجة، ومن هناك تحركت بمواصلات سنار وعدت الي منزلنا لأجد الأسرة في حيرة من اختفائي.

3- الحلقة الثالثة:

في العام 2013م قام والي ولاية سنار م/ احمد عباس بعرض الجزء الشمالي لمدرسة سنار الثانوية الجديدة بنات في سوق الإستثمار، وعلم المواطنيين بصفقة الوالي المشبوهة في وقت مبكر من إتخاذ حكومته قرار إستقطاع وبيع أراضي المدرسة، وكانت الأهداف والدوافع الرئيسية وراء هذا القرار.
1- دعم خزينة الولاية بعد فشل حكومة الولاية في توفير المال الكافي لتقطية الميزانية السنوية.
2- الميزانية العامة للدولة قائمة علي الضرائب والجبايات وخصخصة ممتلكات الدولة والشعب.
3- اعتبار التعليم مرحلة ثانوية في ترتيب أولويات الحكومتين المركزية والولائية.
4- الإعتقاد بملكية المؤتمر الوطني لكل المؤسسات والأراضي السودانية.

في اعتقادي هذه اهم الأهداف والدوافع التي تجعل النظام يخطط لبيع مدرسة لها تاريخ قديم وتمثل واحدة من معالم الحضارة السنارية الأصيلة في العصر الحديث.

اجتمع المواطنيين والنشطاء والمنظومات الشعبية من شتى الأحياء لمناقشة هذا الأمر، وبحث سبل التصدي لسياسات المؤتمر الوطني الهدامة، وبعد نقاش وحوار كثيف داخل دار الخريجين بسنار، تم فتح بلاغ رسمي في مواجهة حكومة الولاية لدى محكمة الطعون الإدارية، وتم الإتفاق علي تكوين كيان شعبي للدفاع عن قضية المدرسة والقضايا المماثلة لها تحت مسمى (القوى الشعبية لتنمية وتطوير سنار)، وتم توسيعه ليشمل عدد من المناطق المجاورة لمدينة سنار، ليأخذ بعده القومي ويجد السند الشعبي ويفتح مجال اوسع يمكنه من رصد ومتابعة الإنتهاكات والتصدي لها.

انضممت لهذه المجموعة بقناعة الدفاع المشترك بين جميع مواطني سنار عن حضارتهم العريقة، وكانت مجموعة نشطة تضم عدد مقدر من النشطاء المعلميين والصحفيين والمحاميين وغيرهم من المهتمين بشؤن المنطقة والمدافعين عنها.

قامت القوى الشعبية لتنمية وتطوير سنار بتنظيم وقفات إحتجاجية ولقاءات جماهيرية بلورة من خلالها رؤية متكاملة لحاضر ومستقبل سنار، متخذة في نضالها ثلاثة مسارات رئيسية وهي؟
1- مسار ثوري يضغط النظام علي الشارع السناري بطرق مختلفة منها الوقفات الإحتجاجية والبيانات ونفير بناء وتنظيف المدرسة.
2- مسار قانوني متمثل في وضع القضية امام محكمة الطعون الإدارية والتزام مجموعة من المحاميين بالدفاع عنها امام المحكمة.
3- مسار إعلامي متمثل في كتابات الصحفيين وتحقيقاتهم وتقاريرهم والنشاط المتواصل علي مواقع التواصل الإجتماعي وربطه بالمسارين الأول والثاني.

وعندما تصاعد الإحتقان الشعبي والسياسي بين القوى الشعبية من جهة ونظام الولاية من جهة آخرى، تم الإعلان عن قيام وقفة إحتجاجية كبرى امام السور الشمالي للمدرسة، وتم تحرير وطباعة البيانات والدعوات واللافات المطلوبة، وبدأ العد التنازلي لقيام الوقفة في ظل متابعات الأجهزة الأمنية المفروضة علي قيادات القوى الشعبية، وعلي صعيد آخر لربط اسباب اعتقالي ببعضها البعض، شهدت منطقة ابو كرشولا غرب السودان إشتباكات هي الأخطر من نوعها بين قوات الجيش الشعبي (الجناح العسكري للحركة الشعبية لتحرير السودان) وقوات ومليشيات المؤتمر الوطني، والتي دخلت في معارك طاحنة انتصرت فيها قوات الجيش الشعبي، ما جعل الحكومة في الخرطوم تصدر أوامر للأجهزة الأمنية تهدف الي شن حملة إعتقالات واسعة وسط قيادات سياسية منتمية للحركة الشعبية (ش) في تزامن مع قرار حكومة ولاية سنار الذي صدر لجهاز الأمن والمخابرات وقضى باعتقال النشطاء المناهضين لسياسة إستقطاع وبيع أراضي مدرسة سنار الثانوية بنات - راجع تقرير المركز الإفريقي لدراسات العدالة والسلام الذي نشر بتاريخ 14 - مايو - 2013م تحت عنوان (المعارضون السياسيون في السودان لا يزالون يواجهون خطر الإعتقال التعسفي بواسطة الحكومة)، ويحتوي التقرير علي تفاصيل دقيقة عن اسماء المعتقلين، بالإضافة الي اسباب وطرق واماكن اعتقالهم.

تحركة قوة حكومية لتنفيذ الإعتقال في وقت متأخر من الليل حوالي الساعة الثانية صباحا، وكنت عائد من إجتماع عقد بسنار بشأن قضية المدرسة، وفي طريقي الي المنزل اعترضتني القوة العسكرية من منسوبي الشرطة والمباحث يقودهم شخص يدعى (عبدالقادر)، وطلبوا مني الذهاب معهم الي قسم الشرطة في ظل تهديد وشتم ورفع الأيدي تلويحا باستخدام العنف.

تحركنا الي قسم الشرطة وطلبوا تفتيش الحقيبة التي كنت احملها، ولم يكن بوسعي الإعتراض لأنهم كانوا يستخدمون (الباسطونة) في ضربي ولا يتركون مجال لأي اعتراض أيا كان نوعه، وبالفعل تم تفتيش الحقيبة فوجودوا بها عدد من البيانات التابعة للقوى الشعبية لتنمية وتطوير سنار، وفي الحين تم الإتصال بمكتب جهاز الأمن بمحلية سنار، وحضر نائب مدير جهاز الأمن يسمى (الواثق) بصحبته شخصين علي متن عربة لاندكروزر، ولم يستقرق الأمر كثيرا حتي تمت عملية نقلي الي معتقل سنار، وفوجئت هناك باعتقال الاستاذ/ الماحي سليمان رئيس المؤتمر السوداني، ورغم تفاجئي إلا اني كنت مسرورا بمرافقة هذا الرجل الثوري للمرة الثانية داخل المعتقل.

وضعت في ذات الزنزانة القديمة التي دخلتها في العام 2011م، لكنها هذه المرة كانت لي وحدي في حبس إنفرادي دام لمدة خمسة عشر (15) يوما، تم استجوابي لأربعة (4) مرات، في كل مرة يتم ضربي وشتمي بألفاظ عنصرية وآخرى استفزازية، ومنع المحامي من مقابلتي، وسمح بزيارة واحدة لأسرتي، وفي اليوم الخامس تقريبا اجبرنا من قبل افراد جهاز الأمن علي تنفيذ وقفة إحتجاجية وسط الشمس الحارقة داخل سور المعتقل رفعنا وقتها لافتات لوقفات إحتجاجية قديمة تمت مصادرتها من قبل الأجهزة الأمنية.

من ضمن الأسئلة التي وجهت لي؟
ٱ/ الأسئلة؟
1- ما هي طبيعة علاقتي بالحركة الشعبية (ش).
2- ما صلتي بما يدور في أبو كرشولا.
3- ما هي علاقتي بحاكم إقليم النيل الأزرق سابقا مالك عقار.
4- لماذا نرفض إستقطاع وبيع مدرسة سنار الثانوية بنات.
5- من هم الشباب الذين كتبوا المناشير الثورية في مايرنو ومن قام بتوزيعها ولماذا خرجنا في مظاهرات مايرنو ضد الوالي المقال أحمد عباس.
6- ما اسماء النشطاء الذين قاموا بتوزيع مناشير القوى الشعبية لمناهضة إستقطاع وبيع أراضي المدرسة.
7- ما هي علاقتي بحزب المؤتمر السوداني.
8- ما هي علاقتي بالماحي سليمان.
كان الرد علي اسئلتهم كما يلي؟
ب/ الأجوبة؟
1- انا عضو في الحركة الشعبية لتحرير السودان.
2- لا صلة لي بما يجري في منطقة أبو كرشولا.
3- حاكم إقليم النيل الأزرق رئيس للحركة الشعبية ولا توجد أي اتصالات بيننا.
4- مدرسة سنار الثانوية بنات معلم حضاري ولا نريد تحويل جزء من حضارتنا الي (سوق - مقالق) حفاظا علي تاريخنا وبناتنا.
5- لا اعرف من كتب المناشير الثورية بمايرنو لكني مقتنع بكل ما كتب فيها صحيح.
6- تم تسليمي مناشير القوى الشعبية من قبل شخص لا اعرف اسمه ولا اعرف اسماء باقي المجموعة.
7- هناك صداقة بيني وبين اعضاء حزب المؤتمر السوداني لا اقل ولا اكثر.
8- الماحي سليمان اعتبره صديق شخصي وواحد من الأساتذة الذين احترمهم ونترافق في بعض المناسبات السياسية المختلفة.
وهناك أسئلة وأجوبة آخرى تختبي في الذاكرة لم اتمكن من إسترجاعها لتوثيقها.

بعد إنتهاء الخمسة عشر (15) يوما علي الحبس الإنفرادي، تم نقلي الي (زاوية - مسجد صغير) داخل المعتقل، هو نفس المكان الذي كنت فيه في العام 2011م، وهنا تغير التعامل نوعا ما في تحسن، ووجدتها فرصة طيبة لمساجلة استاذ/ الماحي والذي قضيت معه ايام جميلة ستظل باقية في الذاكرة.

ومن الطرائف الأدبية التي اعتز بها ... كنت قد كتبت عدد من القصائد داخل المعتقل، وفي يوم من تلك الأيام السنارية الجميلة برغم الحزن، بينما نتجاذب اطراف الحديث في أخر النهار قبل رحيل الشمس، قال لي أ/ الماحي ... سعدون ... قلت ... نعم ... قال الماحي.
الليل أعوى ولا جديدا يرتجى قلت له (رد) والصبح يخفي نوره خلف الدجى*** هذا زمانا لا يعاب علي النوى*** هل ترى الدنيا تدور كما أرى وفي قصيدة آخرى قال الماحي أخر الآمال عدت ليس ما يرجى متاح قلت له (رد) أيا رفيق السجن مهلا إنتظر حتي الصباح *** طالب الحرية دوما يرتدي ثوب الكفاح *** أيها الماحي لنا وطننا يساوره القدر*** خله إبن الخمائل صده بقش المطر*** فأصبر لما لاقيته مثلنا الشعب إصتبر،
وهناك قصائد آخرى كنت سعيد بكتابتها خلف اسوار السجن.

لكن جاء يوم 27/6/2013 وقرر جهاز الأمن والمخابرات إطلاق سراحنا بعد إلتهاب الشارع السناري بالوقفات الإحتجاجية المطالبة باطلاق سراح المعتقلين، فخرجنا في الساعة الواحدة ظهرا وكنا نشعر بالإنتصار.

4- الحلقة الرابعة:

في العام 2012م كانت ولاية سنار في قمة الحراك الثوري المناهض لسياسات النظام القمعية، وكانت الولاية تحت حكم (هتلرها الجشع) ذلك الوالي الإنقاذي المقال مؤخرا، وكنا وقتئذن في صراع سياسي متشابك المحاور والدوائر بتعدد القضايا التي نثور لأجلها ونعمل لتفكيك عقدها، بدأ من التعليم والصحة والكهرباء والماء الي قضايا الزراعة والضرائب والجبايات وغلاء المعيشة وصولا الي الخطة الإسكانية لسكان مايرنو غرب (الظلط)، وكانت حكومة ولاية سنار تشمئز من أعمالنا التنويرية، ومنسوبي المؤتمر الوطني يقيمون الإجتماعات ليل نهار في دورهم وصوالينهم المعروفة، وكانت تقارير إجتماعاتهم تصل الينا قبل إنتهاء الإجتماع، وكنا نتعامل مع الوضع بما يقتضي مصلحة المواطن والبلاد.

ولم يفلح النظام في ردع ثورتنا لعدة اسباب، منها ما هو إنقاذي يدور حول المؤتمر الوطني، ومنها ما هو ثوري يخص المعارضة الشبابية الجديدة؟
ٱ/ المؤتمر الوطني الإنقاذي:
1- إنتشار الفساد المالي وسط شباب الحزب الحاكم وظهر في تقارير أمنية تم نشرها لمجموعة الأمنجية التي تحمل الرموز السرية ساب (1) وساب (2).
2- عدم وجود قيادة تفقه التعامل مع متغيرات الوضع السياسي بعقلانية.
3- نشوب صراعات وإنقسامات داخل صف المؤتمر الوطني.
4- تضارب مصالح القيادة الولائية العليا والوسطى والصغرى للمؤتمر الوطني.
5- تدخل جهاز الأمن في صنع القرار داخل مكاتب الحزب الحاكم.
ب/ المعارضة الشبابية الجديدة:
1- ترابط الشباب وخبرتهم العالية في إدارة العمل الثوري التنويري.
2- تمكن الشباب من إنتاج وبلورة رؤية سياسية متكاملة حول واقع ومستقبل المنطقة.
3- تشكل رأي عام مناهض للنظام كنتاج لبيانات ونشرات المعارضة الجديدة.
4- كسر حواجز الخوف من بطش السلطة الحاكمة وإسترداد الثقة للمواطن وتسليمه سلاح التغيير.
5- تجريد النظام من ستر التستر علي تجاوزاته الإدارية وكشف محاولات إخفاء آثارها علي مستقبل البلاد.

كل هذه العوامل كانت تسوق بعضها البعض وتشد وتيرة الصراع السياسي المتحول من دهاليز الصمت ونكران الحقيقة الي فضاء الإجهار بها في سلسلة أحداث متواصلة منذ العام 2005م الي العام 2010م وما بعدها، وتمثل هذه الأعوام نقاط وعلامات بارزة في تاريخ بلادنا المعاصر، كونها شهدت حراك سياسي وثقافي وثوري غير مسبوق وبملامح مختلفة حديثة وجديدة علي الفضاء العام.

وبالطبع كنا ندرك أن التحولات الكبيرة التي جرت في المنطقة لن تلقي المفاهيم التقليدية والكلاسيكية القديمة، والتي تضع معاير ضيقة لتقيم السباق السياسي وتعتبر الرأي الحر (قلت أدب وجريمة) ونقد السلوك والفعل السياسي لبعض الشخوص والمنظومات السياسية بقرض إصلاح المسار ومواكبة التطور، هو نقض لتجاربهم وتاريخهم ورغم (إنعواج فكرهم وتخلف منظوماتهم) يعتقدون انهم معصومين من الخطأ، ولا يحق لغيرهم طرح ما بجعبته حتي لا يسدل عنهم ستار التاريخ.

كنا ندرك حجم التأخر المفاهيمي وما سنلقاه في محيطنا الإجتماعي، لكن لا احد يستطيع إيقاف مشروع التغيير الذي تبناه هذا الجيل الصاعد بوعي مقررا الإلتزام بخطه الي نهايات الطريق، رغم إختلاف وجهات النظر وسط الشباب طبقا لإختلاف مدارسهم الحزبية والفكرية إلا انهم يتعاملون بمفهوم الحوار البناء والإتفاق علي (الحد الأدنى) لجمع اعرض صف وطني برؤية مشتركة تعطي للجميع مساحات جيدة لممارسة حرياتهم.

وشهدت هذه المرحلة إنتاج ادبي وفكري كبير في مجالات متعددة مثل (الشعر - الغناء الشعبي والحديث - المسرح الكلاسيكي والحديث - الرواية والقصة)، مع إعادة تكوين روابط الأحياء والتأسيس لمفاهيم بناء منظمات مجتمع مدني وجمعيات ثقافية وإجتماعية وغيرها من الخطط المستقبلية الإستراتيجية.

لكن دعاة الرجعية بالتخندق السياسي والتزمت الفكري لم يعجبهم ذلك، خاصة في ظل تفاقم الصراع السياسي في البلاد والذي وصل الي حد تصريحات طائشة نسمعها هنا وهناك، تهددنا مرة بالتصفية وآخرى ببث الإشاعات السيئة، ونتيجة لما ذكرناه آنفا، حدث ما لم أكن اتوقعه في يوم من الأيام، وهو محاولة فاشلة لإغتيالي في بلد عشت فيها جل عمري.

ففي إحدى الليالي الخريفية الجميلة، بينما نحن مجموعة من الشباب نتجول في شوارع المدينة من المقهى الي النادي، قررنا الخروج الي مقهى في الشارع الرئيسي المؤدي الي سنجة من سنار، وذهبنا الي هناك لنحتسي القهوة بطعم (البن البرازيلي) الذي لا يتوفر إلا عند المصريين العاملين بتلك المقهى الرائعة، ولأننا تعودنا علي الجلوس ليلا في هذا المكان، اصبح من السهل تتبع آثارنا ومعرفة مواقيت مجيئنا، فعندما دخلنا وجلسنا هناك بأريحية، دخل من خلفنا شاب يرتدي (بنطلون وقميص) أشعل (سجارته) ثم خرج مسرعا، ولم تعجبني نظراته وطريقة دخوله وخروجه، فحدثت لرفيقا كان بمجلسنا فخرج خلفه ليجده يقول لزملائه (سعدون قاعد)، وكانت معهم عربة يقفون بجانبها، عاد الرفيق وابلغنا بما سمعه وتحركنا بسرعة تاركين (القهوة) ليوم آخر.

وبعد تقصي الحقائق عرفنا أن هناك من يتتبعنا، لكنا لم نبالي ولم نولي الأمر أدنى إهتمام.

بعد مرور يومين علي هذه الحادثة، حل علينا (عيد الفطر)، وعاد عدد من الشباب الي المنطقة لمعايدة أهلهم، وفي ذات الطريق الذي كنا نعبر به الي المقهى في وقت متأخر من الليل، مر شاب يدعى سعد مع اصدقائه قادمين من (مناسبة زواج)، وعندما وصل الي منتصف الطريق ناداه شاب قادم من الخلف باسم سعد، وعندما التفت ملبيا ندائه، سدد له ضربة علي وجهه (بساطور) فوقع مفترشا الأرض، وهرب الجاني علي متن (دراجة بخارية)، والمعلوم أن المجني عليه لا توجد بينه والناس عداوة، لأنه لم يأتي الي المنطقة إلا في الأعياد فقط، وبعد ايام قليلة من تلك الحادثة المؤسفة، وردتني معلومات بأن المقصود انا وليس سعد المجني عليه، ولم اتهم جهة بعينها نسبة لعدم توفر الدلائل المادية القاطعة حول هذا الموضوع.

في هذه الحلقة قصدنا رفع الستار عن حيثيات الحقبة الثورية التي خاضها شباب المنطقة من العام 2005م وفي العام 2010م مع قيام الإنتخاباب التي كانت تشكل ملحمة تاريخية، ومنها استمر النشاط الي أن تفجرت مظاهرة مايرنو ضد الظلم والتهميش والعنصرية.

* تلخيص:

اردنا توضيح طبيعة العمل السياسي والثوري التنويري في ظل حكم دكتاتوري لا يؤمن بالحرية والديمقراطية، كما وددنا التوثيق لوعي جيل تجاوز كل المفاهيم التقليدية متقدما نحو ثورة التغيير من العهود الظلامية الي النورانية، هدفنا ايضا تمليك الجيل القادم وثائقنا لتفسير مغالطات التاريخ وفك طلاسم الحقبة الثورية السابقة، وذلك من أجل الإنطلاق من حيث وقفنا الي مرحلة جديدة ارفع من مرحلتنا، كما نهدف الي التنبيه بشكل ونوع التركيبة المفاهيمية التقليدية الإنكفائية المنكمشة التي كثيرا ما تدخل السياسة في العلاقات الشخصية لتبرر المصالح وتزرع الكراهية، وفيها الأراء الحرة تحاصر بالدين، ولو كانت أراء صحيحة لا تهدد قيم المجتمع، ونسعى لبناء مجتمع واعي بقضاياه ويستطيع حماية مصالحه المدنية وحقوقه الوطنية ويشارك بايجابية في حراك الشعب السودانية من أجل التغيير، ونعمل لدفع المجتمع نحو منابر الثقافة والحوار السلمي المتمدن ونقد التجارب التاريخية والراهنة بتجرد من سطوة العاطفة امتثالا للعقلانية، ونعتقد أن تطور العمل السياسي والثقافي يعتمد علي قبول رأي الأخر والإبتعاد عن شيطنة المعارضة وفرض سلوك (الأنا) ومفهوم (من ليس معي فهو ضدي).

* رسالة:

أخيرا اتقدم بخالص التحايا لشعبنا علي امتداد السودان وخاصة ابناء جلدتنا في النيل الأزرق وسنار وكسلا وجنوب كردفان ودارفور، وهم يصارعون الموت من اجل حياة كريمة ويقفون بصمود بين الرصاص والكوليرا، واحي كل المجموعات الشبابية التي تعمل لإغاثة المواطنيين وتقديم الدعم لهم في مواجهة وباء الكوليرا الذي انتشر في بلادنا في ظل غياب دور وزارة الصحة.


سعد محمد عبدالله