هكذا تحدث الرجل الارتيري عن بلاد الحرمين

محمد محمود العليمي

2017 / 12 / 16

قبل أن يقول الرجل الإرتيري الذي التقيته فجأة في مدينة أنطاليا إن السعوديين يتخذون سياسة التمييز تجاه الوافدين، كان قد عرف ملامحي اليمنية وعرف ما الذي يدور في بلدي المنهك من حرب على مدى ثلاث سنوات.

التقيت الرجل في أحد المنحدرات وكان قد رأى خوفي من الأماكن المرتفعة فأمسك بيدي لأطل على المنحدر وقال لا تخف، غامر فالمغامرة سر النجاح، بعد أن اقتربت من المنحدر وأنا مرتبك وكان الارتفاع عاليا جدا قال لي الرجل الإرتيري سأحكي لك قصتي، لم يعرف الرجل أنني كاتب، وأن قصته يمكن أن تصل الى الكثير من القراء.

حكى قصته وقال: قبل عام ١٩٩٠ وقبل حرب الخليج كنت عاملا في السعودية براتب كبير جدا وفي وظيفة مرموقة، وكان اليمنيون آنذاك يحظون بالامتيازات الكثيرة كجنسية ثانية بعد المواطن السعودي، أما المنتمون للجنسيات الأخرى فكانت امتيازاتهم أقل.

كانت أولى بناتي قد وصلت إلى سن الدراسة وعندما أردت أن ألحقها بإحدى المدارس السعودية كان هناك قرار حكومي يقضي بمنع تعليم أبناء جنسيات معينة في المدارس الحكومية هناك.

حتى ذلك الوقت لم يكن قرار مغادرة السعودية قد خطر في بالي فلا يمكن لموظف يتقاضى راتبا قدره خمسة آلاف سعودي آنذاك أن يترك تلك البلاد، لكن ما حدث بعد ذلك لم يكن سهلا.

ذهبت زوجتي الى مدرسة سعودية حكومية وكانت ابنتي معها وعندما كانت امرأتي تخاطب مدير المدرسة وتطلب منه إلحاق ابنتها بالمدرسة لتتلقى التعليم الأساسي وقابلها ذلك المدير بالرفض بكت زوجتي ورأت طفلتي ذلك، رأت الدموع في عيني والدتها ورأت مستقبلها الغامض.

قال الرجل: عندما عدت من العمل في الثالثة عصرا أخبرتني زوجتي بما حدث ولكنها أخفت عني أنها بكت أمام مدير المدرسة وهي تترجاه وتستعطفه أن يقبل ابنتي طالبة في الصف الأول، لكن الطفلة أخبرتني بما حدث وعن بكاء أمها أمام مدير المدرسة، أحسست بالألم يهزني من الداخل وبمستقبل طفلتي المجهول، في تلك الليلة لم أنم، كانت ليلة طويلة في حياتي، ولم يطلع الفجر حتى قررت مغادرة السعودية إلى دولة أوروبية، وكان ذلك أصعب قرار في حياتي، أن أترك كل أمل فكرت فيه لبناء مستقبل لأطفالي الصغار.. كان ذلك القرار قطيعة كبرى مع الحياة الماضية واستقبالا لحياة أخرى وظروف أخرى، كانت مغامرة بما تحمله الكلمة من معنى.

بعد أيام غادر الرجل الإرتيري السعودية، ثم أضاف الرجل: بعد خمسة وعشرين عاما أو أكثر من ذلك القرار عادت ابنتي الى السعودية، وهي تحمل شهادة الدكتوراه، بعد أن تلقت تعليمها في دول الخارج، وهي الآن تعلم أبناء السعوديين في جامعات الرياض، ولست أدري إن كان ذلك لحسن الحظ أم لسوئه أن ابنتي تعلم ابن المدير وغيره من أبناء السعوديين.
لم أستطع معرفة إلى أي قرار سعودي كان يشير محدثي الإرتيري، إذ أنني على معرفة بأن جنسيات أخرى آنذاك كان لها حق تعليم أبنائها في تلك المدارس كاليمنيين مثلاً والمصريين، فيما الباكستانيون لديهم مدارسهم الخاصة، غير أن التاريخ يعيد نفسه، وما قاله الإرتيري أنه حدث بالأمس هو يحدث اليوم، فأبناء المغتربين اليمنيين في السعودية لم يتمكنوا هذا العام من إلحاق أبنائهم في المدارس الحكومية، نتيجة القرارات غير الرشيدة للحكومة السعودية، وهم أي اليمنيين قد ساهموا بشكل رئيسي في بناء وإعمار كل المدن السعودية، ولعل الأيام والمستقبل يحملان قصصا أخرى أشد إيلاما وسخرية، إنها سخرية القدر، ويا لها من سخرية.
أحد هؤلاء اليمنيين قرر أن يدرّس ابنه عن بُعد، وأن يقضي ما تبقى من وقته بعد العمل في تعليم ابنه الصغير، ولكم أن تتخيلوا كيف يمكن لطفل أن يلتحق بنظام التعليم عن بُعد وهو في الصف الأول الابتدائي.. ما الذي يمكن أن يتعلمه هذا الطفل في السنة الأولى من الدراسة وهو يتلقى تعليمه عن بُعد.