التمييز في الأمثال الشعبية أمس واليوم

رشا أرنست
rasha.arnest@yahoo.it
2017 / 12 / 15

منذ نطق الإنسان بحروفه الأولى وهو يستخدم الكلمات للتعبير عن نفسه والمواقف والأحداث ومخاوفه واضطرابه ويستخدم اللغة في التواصل مع الآخرين، وتعتبر اللغة هى أساس الثقافات التي عرفها الإنسان، وتختلف ثقافة الأفراد والمجتمعات باختلاف مرجعياتهم الفكرية والعقائدية ومواقعهم الجغرافية والبيئة أيضا. ويعتبر أي عمل إبداعي هو وسيلة الإنسان التي يعبر بها عن هويته وثقافته وأصالة منتجه، وفي هذا المقال نناقش المثل الشعبي المصري وتأثيره في حياة الأشخاص الذين لديهم شكل من أشكال الإعاقة.
ويعتبر المثل بشكل عام حالة تعبيرية عن التجارب التي يعيشها الفرد أو المجموعة في تواصلهم بمختلف مناحي الحياة ومكوناتها، وهو أيضا تعبير عن فلسفتهم ونظرتهم لتلك التجارب. وترتبط الأمثال الشعبية بالعادات والتقاليد والأعراف لأي مجتمع. وتساعد الأمثال الشعبية المستمع أو المتلقي أن يدرك أفكار هذا المجتمع وآرائه ومعتقداته ودرجة ارتقائه أو تخلفه.
وللأمثال الشعبية في مصر حضور قوي، فلا يمر موقفا أو حدثا إلا وتجد المصري يستدعي المثل المناسب له، وهناك العديد من الأمثال الشعبية بمصر ارتبطت بقصص وحكايات تُحكى ضمن المأثورات الشعبية في المجتمع المصري. وكذلك العديد من الأمثال الشعبية المرتبطة بفئة بعينها، منطقة جغرافية، جنس أو عرق، ونركز في موضوعنا هنا عن الأمثال الشعبية المصرية التي ذكرت بشكل مباشر أو غير مباشر أشخاص يُعانون من قصور وظيفي بأجسادهم أو إعاقة ما.
تعددت الأمثال الشعبية التي بنيت في أساسها على التمييز، عن أشخاص لديهم إعاقة، لكنه في الغالب تمييز سلبي، فنجد أمثال تهكمية أو أمثال تحذيرية تحمل في طياتها نصيحة صارمة ضد هؤلاء الأفراد أو أمثال لمست واقع الإنسان الذي يُعاني من إعاقة تسخر من حالته مثل:
- إن قابلك الأعمى خد عشاه، انت مش أحن من اللي عماه
- اللي ميشوفش من الغربال يبقي أعمى
- الطشاش ولا العمى
- مكسح طلع يتفسح قال بفلوسه
- كل ذي عاهة جبار
- زي الأطرش في الزفة
وهناك العشرات من الأمثال بالتراث الشعبي المصري تتحدث عن أشخاص لديهم إعاقة ما، ومع الأسف هذه النوعية من الأمثال اغلبها يُعطي انطباعا سلبيا تجاههم، كما أنه يرسخ لمفاهيم التهميش والتقليل من شأنهم وكرامتهم الإنسانية قبل أي شيء، وربما بعض التحريض ضدهم، وكأنهم بشرا أقل وليس من حقهم العيش مثل الآخرين، فنجد في المثل " إن قابلك الأعمى خد عشاه، انت مش أحن من اللي عماه" سخرية واضحة من حالته وتحريض ضمني باستغلال الشخص الكفيف، والحث على إهدار حقه بالامتلاك من خلال سرقته.
وفي مثل "زي الأطرش في الزفة" نجد المثل يسخر من عدم الانتباه والمبالاة عند الفرد وكأنه أطرش، ناهيك عن استخدام هذه المصطلحات (الأطرش، الأعمى، المكسح....الخ) وهي مصطلحات قديمة مازالت تستخدم إلى اليوم ومازالت هناك مناهج دراسية وعلمية داخل الجامعات المصرية تحتفظ بهذه المصطلحات دون تغيير إلى يومنا، رغم تطور مفهوم الإعاقة على المستوى الدولي والمحلي وتطور أفكار المجتمع المدني تجاه الأشخاص ذوي الإعاقة على المستوى الفردي، الإجتماعي، السياسي والحقوقي، لكنه تطور ينمو ببطء، لم يصل حتى الآن للمواطنين.
تعتبر هذه النوعية من الأمثال الشعبية أحد التحديات التي تواجه الدولة والأشخاص ذوي الإعاقة أنفسهم في تغيير النظرة السلبية تجاههم، وتبطء من ترسيخ مفاهيم جديدة لحقوقهم الإنسانية على قدم المساواة مع كافة المواطنيين، كما أن لها أثر سلبي كبير في حياتهم الإجتماعية والنفسية مع تداول هذه الأمثال في المواقف المتعددة أمامهم وإن كانوا ليسوا طرف في الموقف ولكن سماعها وحده كافيا لإحساسهم بالتحقير لوضعهم الذي لم يكن لديهم اختيار فيه.
من السهل ملاحظة ذلك عند التواجد في حدث أو تجمع ما ويقوم أحد الموجودين بسرد موقف نتج عنه تقصير شخص (لا يعاني من أي إعاقة) فتجد التعليقات تخرج منهم عفوية تنعته بالــ "معاق" كناية على أنه لم يفلح في فعل شيء ما، هذه أحد الصور السلبية المترسخة في أذهانهم، ربط الإعاقة بعدم القدرة على الفعل.
ورغم ان نسبة الأشخاص الذين يُعانون من الصعوبات في مصر تُقدر بأكثر من 10% من عدد السكان بحسب الإحصائيات الرسمية الأخيرة للتعداد السكاني لعام 2017، ونسبة الأشخاص الذين تربطهم صلة مباشرة معهم تصل إلى 30% من السكان، أي ان 40% من سكان مصر لهم علاقة مباشرة مع الإعاقة، إلا أن هذا لم يقلل من استخدام هذه الأمثال أو انحسارها ولو جزئيا.
يستدعي تغيير هذه الصورة الذهنية في إطار استخدام الأمثال الشعبية، إبداع أمثال جديدة لها طابع جديد يعبر عن أحوال الأشخاص ذوي الإعاقة في الوقت الراهن وثقافتهم ومواجهاتهم للأفكار السلبية ونجاحاتهم في كافة المجالات، أمثال شعبية من وحي واقع التحدي والصمود الذي يعيشونه في حياتهم للتغلب على الحواجز وكسر القوالب النمطية.
نحن اليوم بحاجة إلى تضافر جهود كل فرد لديه قدر من الثقافة والإيمان بحقوق الإنسان دون تمييز، لنخطو إلى مرحلة عملية من ثقافة احترام الاختلاف الذي هو أساس حقوق الإنسان. ليس مطلوب أن نعقد المؤتمرات والندوات ونطلق حملات إعلانية لكي نعلن أن حقوق المواطنين في مصر متساوية، نحن بحاجة إلى ماهو أبسط من ذلك، إلى الإيمان الحقيقي بحقوق المواطن كافة دون النظر إلى الجنس أو الدين أو العرق أو الإعاقة أو أيا كان اختلافه، إيمان بالإنسان أولا، إيمان بلا شروط. فسواء كنت إعلامي، معلم، طبيب، عامل، كاتب، فنان،....الخ دورك ورسالتك في التثقيف ونشر الوعي مع كل عمل تقوم به مبني على الإنسانية التي تؤمن بها دون تمييز.