عنصرية أبناء الهامش البغيضة و الرجوع إلى شعوبية العصر العباسي

عبير سويكت
ablaelmugammar@yahoo.fr
2017 / 11 / 8

للأسف المنابر الإعلامية صارت تضج بالمقالات التي تعمل على زرع العنصرية و الكراهية بين أبناء الشعب الواحد، بالإضافة إلى متاجرة قادة الهامش بالخطاب الثوري العنصري القبلي البغيض بغرض كسب أكبر قاعدة شعبية من أبناء الهامش ،و لكن السؤال هو إذا أصبح قادة الهامش و كتابه يتاجرون بالخطاب العنصري البغيض و يروجون له، فلا شك لأنهم يعملون جيداً أن مناطق الهامش تربة خصبة للعنصرية و لن تتقبل أي مائده مروج لها بخلاف العنصرية التي تفتح شهيتهم ،و بما أن السياسة الوطنية الإنسانية الشريفة صارت غير مقبولة في مناطق بعينها ظهر تجار السياسة بسلعهم ذات الطابع العنصري الباحت .

و كان قد لفت نظري مداخلة أحد أعضاء منبر سودانيز اون لاين و كانت هذه مداخلته بالنص :(ينبغي التخلص من مصطلح ( الجلابة ) العرقي ،حتى تكون هناك مساحة للنقاش .
الشكر للجميع)، و حقيقة أعجبتني شجاعته في طرح هذه الظاهرة العنصرية البغيضة المدمرة التي تسعي الي تفرقة أبناء الشعب الواحد بغرض تحقيق الأهداف و المصالح السياسية لفئات محددة، دون التفكير في عواقبها و نتائجها السلبية، و ذكرني مصطلح الجلابة المفضل لدي أبناء الهامش بالشعوبية.
لأن ما يحدث الآن في السودان من تفشي العنصرية و القبلية البغيضة و كره الآخر، يجعلنا نرجع إلى التاريخ القديم، و عصر الأدب العربي الذهبي و رواده ،على رأسهم الجاحظ ذاك الأديب صاحب الأسلوب الأدبي المتمييز الذي يجمع بين الجدل و الهزل ،الجاحظ صاحب المؤلفات الأدبية العظيمة علي رأسها البيان و التبين، بالتحديد قسم (فضل العصا)، الذي حاول من خلاله الجاحظ توضيح منافع العصا للرد على إنتقادات الحركة الشعوبية، الفرس على وجه التحديد الذين إنتقدوا العرب للإستخدام العصا التي أصبحت ملازمة لهم حتي بعد أن انتقلوا من البدو إلى الحضر ،و استهزاء الفرس بالعرب، و إعتبار أن ملازمة العرب للعصا أن دل على شئ إنما يدل على تقوقعهم في عقليتهم البدوية المعتادة على التعامل مع الحيوانات و ترويدها بالعصا لأن العرب في نظر الفرس هم مجرد رعاة..

و هذه الحركة الشعوبية التي حاول الجاحظ الرد على انتقاداتها في مؤلفه البيان و التبين قسم (فضل العصا) ، في الأساس هي حركة ظهرت نهاية القرن الثاني من الفتوحات العربية (fin de deuxième siècle de conquête arabes) ، في العصر الأموي و تفشت و انتشرت بصورة كبيرة في العصر العباسي، و هذه الحركة الشعوبية يعرفها الأوروبيون بأنها في بدايتها كانت : mouvement social a pour but de manifester les inégalités et la supériorité d une race ou d une langue) ،أي أنها حركة إجتماعية تناهض عدم المساؤاة و التمييز بعامل العرق أو اللغة، بمعني أنه لا فضل للعرب على غيرهم من العجم، و لكن للأسف مع مرور الوقت تحول من يدعي أنه مظلوم إلى جلاد و ظالم، و تحولت هذه الحركة الشعوبية المطالبة بالمساواة سابقاً الي حركة عنصرية متطرفة لم تكتفي بالمطالبة بالمساؤاة بل صارت تحجبها عن غيرهم المختلف عنهم عرقياً و لغويا، و وصل الحال بهذه الحركة إلى حد احتقار كل من هو غير عجمي (عربي)، و باتت تفضل العجمي علي العرب، و تحاول الانتقاص من شأن العرب و التقليل منهم، و تحرض على بغضهم، حتي عرف البريطانيون الحركة الشعوبية بالحركة المناوئية للعروبة، و صارت المجموعات المكونة للحركة الشعوبية متعنصرة لثقافتها و لغتها و شعبها، و تعتبر نفسها الأفضل، و تبغض و تحتقر كل من هو دونها.

و هذا هو حال حركات الهامش و أبنائها و كتابها الذين صاروا يتاجرون ببث سموم العنصرية البغيضة، و يحرضون على كره من سموهم بالجلابة و القواعد الجلابية ،و ياللاسف أن يصل السودان إلى هذا الوضع المحزن في الوقت الذي يعمل فيه العالم على نشر تعاليم السلام و المحبة و المودة والرحمة و التسامح،بينما هنالك بعض البشر ما زالت قلوبهم المريضة ترفض تقبل هذه التعاليم السمحة و ترفض عقولهم الارتقاء الي مستوي معاملة الشخص بناء علي إنسانيته بدلاً من التطرف العرقي و العنصرية البغيضة التي تفرق و لا تجمع و تعمل علي توليد نوع آخر من الإرهاب الداعشي المبني علي كره العنصر الجلابي.