تعديل قانون الأحوال الشخصية النافذ بين شرعة حقوق الإنسان الأممية وبين مبادي أعلان حقوق الطفل العالمي.

عباس علي العلي
fail959@hotmail.com
2017 / 11 / 4

تعديل قانون الأحوال الشخصية النافذ بين شرعة حقوق الإنسان الأممية وبين مبادي أعلان حقوق الطفل العالمي.

في المقالة السابقة تناولنا فيها التعارضات القانونية بين الدستور الذي هو سيد القوانين والمهيمن على المنظومة التشريعية بأعتباره السقف الذي لا يمكن تجاوزه بأي تشريع أخر، وبينا أن عبارة أن الإسلام مصدر أساسي للتشريع محدد بضوابط لا يمكن أيضا أنتهاكها، اليوم نتحدث عن جانب أخر ومهم هو ألتزام العراق كدولة تخضع أيضا دستوريا إلى قواعد القانون الدولي وملتزم بها وعليه أن يترجم هذا الألتزام من خلال موائمة تشريعاته المحلية مع المبادئ والقيم التي تضمنها (الأعلان العالمي لحقوق الإنسان) و (أعلان حقوق الطفل) المشرعين من قبل الأمم المتحدة والموقع عليهم عراقيا ومصادق على ما فيهما من ألتزامات ومبادئ سامية.
جاء في مقدم الديباجة الممهدة للأعلان العالمي لحقوق الإنسان ألتزام قانوني وأخلاقي من قبل الدول والمجتمعات التي توقع على هذا الأعلان بأن يكون محط أحترام وألتزام أكيد ببنوده (ولما كانت الدول الأعضاء قد تعهدت بالتعاون مع الأمم المتحدة على ضمان اطراد مراعاة حقوق الإنسان والحريات الأساسية واحترامها)، فيكون لزاما على هذه الدول وبمشاركة الأمم المتحدة من خلال الجمعية العامة وكل المنظمات ذات العلاقة أن تراع أحترام هذه المبادئ وعدم تجاوزها من خلال تشريعات محلية (فإن الجمعية العامة تنادي بهذا الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على أنه المستوى المشترك الذي ينبغي أن تستهدفه كافة الشعوب والأمم حتى يسعى كل فرد وهيئة في المجتمع، واضعين على الدوام هذا الإعلان نصب أعينهم، إلى توطيد احترام هذه الحقوق والحريات عن طريق التعليم والتربية واتخاذ إجراءات مطردة، قومية وعالمية، لضمان الاعتراف بها ومراعاتها بصورة عالمية فعالة بين الدول الأعضاء ذاتها وشعوب البقاع الخاضعة لسلطانها).
هنا على المشرع المحلي وحين يباشر في دراسة موضوع تشريعي أو سن قانون أن يراع من حيث الأولوية في ألتزاماته أن يكون التشريع أو القانون المستهدف لا يتعارض لا في الجوهر ولا في الشكل مع ما ألتزم به البلد أمميا، القاعدة النظامية الدولية اليومي في جوانب منها عديدة تقدم التشريع الدولي على التشريع المحلي طالما أن الدولة المعنية قد وافقت وألتزمت به، بأعتبار أن الأطار العالمي للقانون الدولي يضمن من ناحية أشمل وأكبر مسألة مراعاة الحقوق والألتزامات التي تخص المجموعة البشرية عامة، بما فيها المجتمع المحلي، عليه فإن التجاوز أو التقاطع بين التشريع المحلي والأعلان العالمي لحقوق الإنسان يتعارض مع ألتزامات العراق القانونية تجاه الأسرة الدولية خاصة (العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والعهد الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية) والتي صادق عليها العراق من دون تحفظ بالقانون رقم (193) لسنة 1970 وكذلك اتفاقية مناهضة أشكال التمييز ضد المرأة التي صادق عليها العراق, دون أن يتحفظ على الفقرة الخاصة بسن الزواج,بالقانون رقم (66) لسنة 1986 وكذلك اتفاقية حقوق الطفل التي صادق عليها العراق بالقانون رقم (3) لسنة 1994 أيضا من دون أن يتحفظ على السن، كما يتعارض أصلا مع الدستور وخاصة المادة ثانيا منه، التي حظرت أي تشريع مخالف لحقوق الإنسان والمواثيق الدولية المرعية.
المواد (1) و (2) و (7) و (8) مواد أساسية ومهمة في تحديد الوضع القانوني للحقوق والحريات الأساسية لأي إنسان في عالمنا المعاصر وفي أي مكان وتحت أي ظرف إنساني، فالتفريق بين المواطن والأخر أستنادا للمعتقد أو المذهب داخل المعتقد أو بحسب الجنس ذكر أم أنثى، نجده حاضرا بالقوة في مشروع التعديلات المفترحة وهو ما جاء بالمواد (1) و (2) و (3) و (5) و (8) التي فرقت في تطبيق القانون بين الأفراد على أساس المذهب والدين، وكذلك منحت الرجل (الزوج) حقوقا غير متساوية ولا متماثلة مع الزوجة في حق أختيار ما يناسبها من ما أشارت له المادة (41) من الدستور والتي هي أيضا مادة خلافية بالرغم من أنها نصت (العراقيون أحرار في الالتزام بأحوالهم الشخصية حسب دياناتهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم, وينظم ذلك بقانون)، هذه الحرية الممنوحة لا يمكن تقييدها بإلزام يخرجها من المحتوى والجوهر الذي شرعت من أجله، وهذا ما نصت عليه أحكام المادة (46).
المواد المشار إليها في الإعلان العلمي لحقوق الإنسان تنص على ما هو مناقض تماما لمشروع التعديل في الروحية التشريعية والمقاصد العملية:
(المادة 1). يولد جميع الناس أحراراً ومتساوين في الكرامة والحقوق. وهم قد وهبوا العقل والوجدان وعليهم أن يعاملوا بعضهم بعضاً بروح الإخاء.
(المادة 2) .لكلِّ إنسان حقُّ التمتُّع بجميع الحقوق والحرِّيات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييز من أيِّ نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدِّين.
(المادة 3). لكلِّ فرد الحقُّ في الحياة والحرِّية وفي الأمان على شخصه.
(المادة 5). لا يجوز إخضاعُ أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطَّة بالكرامة.
(المادة 7). الناسُ جميعًا سواءٌ أمام القانون، وهم يتساوون في حقِّ التمتُّع بحماية القانون دونما تمييز، كما يتساوون في حقِّ التمتُّع بالحماية من أيِّ تمييز ينتهك هذا الإعلانَ ومن أيِّ تحريض على مثل هذا التمييز.
مشروع القانون عندما يعامل المجتمع كأفراد غير متساوين في الخضوع لمبادئه العامة والمجردة، وأنهم أيضا غيرمتساوين في المركز القانوني تبعا لدياناتهم أو لعنصرهم الجنسي، أو لا يمكنهم أن يحتموا بالقانون الذي من الواجب عليه أن يكون الملجأ الأول والأخير لحفظ حياتهم وكرامتهم، خاصة وأن بعض مفردات ما يسمى بالشريعة أو أدبيات الفقه المذهبي هي بالأساس تفرق بين الإنسان المتدين به والأخر وبين المتدين والغير متدين وبين الرجال والنساء كمثال (أن النساء ناقصات عقل ودين)، هذا يرتب تميزا شديدا ضد الإنسان ويحط من كرامته ويسلبه الجزء الأهم من حقوقه الأساسية.
الأهم من هذا كله أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي المادة (12) منه منعت التدخل التعسفي من أي جهة كانت في التدخل القهري وحتى القانوني الذي يخالف مبادئ الأعلان في القضايا الشخصية التي يحميها الأعلان وخاصة الأسرة {(المادة12). لا يجوز تعريضُ أحد لتدخُّل تعسُّفي في حياته الخاصة أو في شؤون أسرته أو مسكنه أو مراسلاته، ولا لحملات تمسُّ شرفه وسمعته. ولكلِّ شخص حقٌّ في أن يحميه القانونُ من مثل ذلك التدخُّل أو تلك الحملات}، المشرع المحلي عندما منح للجهات الدينية حق التدخل وفرض أرائها وأفكارها على الإنسان وحسب كل حالة على حدة، يعتبر تدخلا تعسفيا من جهة غير حيادية ولا مجردة وتنتهك مبدأ المساواة أمام القانون، خاصة عند أختلاف الدين أو المذهب داخل الأسرة الواحدة.
ومن مبدأ المساواة وحماية الأسرة من التدخل لا بد من صيانة هذا الحق وحتى قبل أن تكون الأسرة قد تشكلت بعد، فحق تكوين الأسرة يمتد من حق الرجال والنساء التزوج وفقا للشروط البيولوجية التي تضمن بلوغا جسديا وعقليا وماديا قابلا معه على إنشاء أسرة سليمة، فليس من الممكن أن نمنح حق للرجل أن يتزوج من طفلة في عامها التاسع لأنها بلغت جنسيا وهذا الحد أصلا غير متساو ولا مطلق، وأيضا نفس الحال مع الطفل الذي يبلغ ثلاثة عشر عاما لأن الشرعي المنسوب للدين وهو بالمناسبة مجرد روايات تأريخية وأراء فقهية لم يأت بها نص ديني قاطع، لنجبر الطرفين على إنشاء أسرة ونتركهما في مهب الريح ((المادة16)).
( 1 ) للرجل والمرأة، متى أدركا سنَّ البلوغ، حقُّ التزوُّج وتأسيس أسرة، دون أيِّ قيد بسبب العِرق أو الجنسية أو الدِّين. وهما متساويان في الحقوق لدى التزوُّج وخلال قيام الزواج ولدى انحلاله.
( 2 ) لا يُعقَد الزواجُ إلاَّ برضا الطرفين المزمع زواجهما رضاءً كاملً لا إكراهَ فيه.
( 3 ) الأسرةُ هي الخليةُ الطبيعيةُ والأساسيةُ في المجتمع، ولها حقُّ التمتُّع بحماية المجتمع والدولة.
الحماية القانونية والأجتماعية الأساسية التي أشارت لها الفقرة (3) لا بد أن تسن مع حق التزويج في التشريع وأن تلتزم الدولة والمجتمع في هذا الحق وتوفر له الوسائل المادية اللازمة، لا أن تترك الأمر مجرد نص خاضع لتصرفات الأهل والأقارب دون أن يكون هناك درع حقيقي يمنع من تفكك هذه الأسرة وضمان مستقبل أمن لها وخاصة فيما يتعلق بموضوع الطفولة الذي هو جوهر الأهتمام بالأسرة، ولو عدنا إلى الأعلان العالمي لحماية الطفولة نجد أنه ينص في المبدأين (الأول) و (الثاني) على ما يلي:
المبدأ الأول
(يجب أن يتمتع الطفل بجميع الحقوق المقررة في هذا الإعلان. ولكل طفل بلا استثناء أن يتمتع بهذه الحقوق دون أي تفريق أو تمييز بسبب العرق أو اللون أو الجنس أو الدين أو الرأي سياسيا أو غير سياسي، أو الأصل القومي أو الاجتماعي، أو الثروة أو النسب أو أي وضع آخر يكون له أو لأسرته).
المبدأ الثاني
(يجب أن يتمتع الطفل بحماية خاصة وأن يمنح، بالتشريع وغيره من الوسائل، الفرص والتسهيلات اللازمة لإتاحة نموه الجسمي والعقلي والخلقي والروحي والاجتماعي نموا طبيعيا سليما في جو من الحرية والكرامة. وتكون مصلحته العليا محل الاعتبار الأول في سن القوانين لهذه الغاية).
والطفل في التحديد العالمي القانوني له هو كل فرد لا يتمتع بحق الأختيار الحر أو حق المشاركة في الأنتخابات العامة في كل بلد حسب قانونه الخاص، وبالتالي فالمتفق عليع عالميا هو تحديد سن الطفولة (_18)، أي من لم يتم الثامنة عشر من عمره، هذا التحديد مع المبدأيين الأول والثاني منتهكين في قانون تعديل قانون الأحوال الشخصية، الذي عدل من أحكام القانون السابق الذي جعل من سن التزويج ثمانية عشر عاما، ويحق للمحكمة وبموافقتها بعد عرض المذكور على لجنة طبية وبموافقة ولي الأمر مع تحقق المصلحة في الزواج.
وأخطر ما تواجههة الطفولة في التشريع المقترح هو ما ورد في (3 – أ . يجوز للمسلمين الخاضعين لاحكام هذا القانون تقديم طلب الى محكمة الاحوال الشخصية ((وفق المذهب الذي يتبعونه))، خاصة وأن أكثر المذاهب مثلا تعط حق الحضانة للأب بأعتباره الولي الشرعي من حد سنتين فما فوق، وهذا ما يتعارض مع المبدأ...... (المبدأ السادس)....(يحتاج الطفل لكي ينعم بشخصية منسجمة النمو مكتملة التفتح، إلي الحب والتفهم. ولذلك يراعي أن تتم تنشئته إلي أبعد مدي ممكن، برعاية والديه وفي ظل مسؤوليتهما، وعلى أي حال، في جو يسوده الحنان والأمن المعنوي والمادي فلا يجوز، إلا في ظروف استثنائية، فصل الطفل الصغير عن أمه).
الخلاصة التي نصل إليها في هذا المقال أن فرص التشريع المومع مناقشته والتصويت عليه سيكون مخالفا جملة وتفصيلا لثوابت الإسلام التي لا خلاف عليها بين المسلمين أو بقية الأديان إلا بالرجوع إلى كتاب الله الخاص بكل دين أولا، ومخالف للدستور والحقوق والحريات الأساسية التي صانها، وأيضا مخالف للإعلان العالمي لحقوق الإنسان والأعلان العالمي لحقوق الطفل، وجملة من الأتفاقيات والمعاهدات الدولية التي أنضم لها العراق ووقع عليها دون تحفظ، وهذا يحتم على مجلس النواب وقفه قانونية وتشريعية قبل الزج بالمجتمع في وضع قانوني ودستوري لا يمكن الركون له أو مجافاة للألتزام الواجب أتباعها حتما.