حول العدالة الاجتماعية!

فهد المضحكي
fahadalmudahki@hotmail.com.co.uk
2017 / 11 / 4

يناقش الباحث أنجي عبدالحميد مفهوم العدالة الاجتماعية في أدبيات التنمية الدولية، ومدى تأثير المفهوم بالتحولات السياسية الكبرى على المستوى الدولي، وذلك بغية الإجابة على عدة تساؤلات، كيف انعكست التغيرات السياسية على الصعيد الدولي على وضعية مفهوم العدالة الاجتماعية في أدبيات التنمية؟ وما طبيعة القضايا المرتبطة، التي أعطتها أدبيات التنمية أهمية أكثر من غيرها في كل مرحلة؟ وما التفسيرات المختلفة لتبني تعريف محدد دون غيره في كل مرحلة زمنية؟
ركَّز عبدالحميد على تحديد مفهوم العدالة الاجتماعية مستعرضاً المعنى الفعلي للمفهوم عند ديفيد ميلر الذي أشار في كتابه «أسس العدالة الاجتماعية» الى أن العدالة الاجتماعية أحد المفاهيم الخلافية التي يجب عند تعريفها مراعاة وجهة نظر جموع المواطنين، وفقاً لرؤيتهم لما هو عادل، وما هو غير عادل من واقع ممارستهم الحياتية. إن النظرية الملائمة للعدالة الاجتماعية، وفقاً لميلر، هي نظرية تضع في اعتبارها كيفية فهم المواطنين لفكرة العدالة الاجتماعية، وكيفية تطبيقها في سياقات اجتماعية مختلفة.
ولعل هذه القضية تقودنا الى الجدل الدائر بين المفكرين من جميع التيارات الفكرية؛ لأن تعريف هذا المفهوم يثير - وفق دراسة الباحث - العديد من القضايا، أهمها كيفية توزيع الأشياء، كالدخل والثروة، والحقوق والواجبات، والمزايا الاجتماعية والنفوذ، وهي القضية التي تقودنا الى سؤال آخر أكثر تعقيداً حول الاستحقاق من يستحق ماذا؟ ولماذا؟ وبالتالي علاقة العدالة الاجتماعية بالحرية وحقوق الإنسان.
تذكر الدراسة ما أكد عليه توماسي ينجال أن تحقيق المساواة في حالة ما اذا كانت أوضاع المساواة مفروضة بشكل قسري نتيجة لعوامل اجتماعية كالتمييز العرقي أو النوعي، أو عوامل اقتصادية نتيجة وجود أوضاع اقتصادية تحابي فئة دون غيرها، وهنا يكون على الدولة التدخل للحد من الآثار المترتبة على هذه الممارسات من خلال ضمان المساواة في الفرص، وسن قوانين تمنع التمييز على أساس الجنس والنوع. ولكن يظل الأمر المحيِّر في رأيه هو ما يتعلق بكيفية تصحيح الأوضاع التي ليس للأشخاص يد فيها، كانتماء البعض لأسرة غنية او فقيرة، وما لذلك من أثر كبير في تحديد الفرص المتاحة أمام كل فرد حتى في ظل احترام مبدأ تكافؤ الفرص، ومع وجود قوانين تجرم التمييز.
وإذا كان - كما تشير الدراسة - إمارتيًا سن يرى أن الموضوع الأساس لنظرية العدالة الاجتماعية يجب ألا ينصب على تحديد ماهية المؤسسات الاجتماعية العادلة، فإنه ينطلق - وهو ينتقد الطرح القائل وجود المؤسسات العادلة كشرط أساس لتحقيق العدالة الاجتماعية - من أن تحقيق العدالة الاجتماعية يعني بالأساس «إزالة جميع أشكال الظلم التي تقف حائلاً أمام استغلال الأفراد لقدراتهم من أجل تحقيق نمط الحياة الذي يبتغونه»، بمعنى إزالة العوائق بما فيها العوائق المرتبطة بالممارسات الاجتماعية التي ألفها المجتمع بحسبانها عرفاً سائداً ومنها - على سبيل المثال - العادات المرتبطة بالتمييز ضد المرأة في الإرث والعمل.
وقد بيَّنت الدراسات تعريف العدالة الاجتماعية وتحديد مجالاتها، ومع تحديد تعريف لكل مجال من مجالاتها وفقاً لما أكد عليه دانيال ألن بالمساواة الاخلاقية والسياسية والاقتصادية إلا أنه لا يمكن التعامل معها بحسبانها مجالات منفصلة عن بعضها بعضاً، فكل مجال منها وثيق الصلة بالمجالات الأخرى. وقد اهتم ولتزر بالتأكيد على أهمية تعزيز كل مجال من مجالات العدالة فعلينا - كما يقول - إن نسعى لتبني سياسات اقتصادية واجتماعية تعزز المساواة في التمتع بالحقوق السياسية، وعلى رأسها حق التنظيم، وحرية الرأي والتعبير، مع توفير ضمانات مؤسسة لعدم سيطرة القلة من أصحاب النفوذ على عملية صنع القرار لمصلحتهم، وهي القضية التي أثارها ولتزر وآخرون حول سيطرة المال السياسي على العملية الانتخابية في الولايات المتحدة، وهو الأمر الذي يستدعي - من وجهة نظرهم مراقبة سيطرة رأس المال على العملية الانتخابية، ودعم وبناء قدرات الفاعلين الآخرين لموازنة قوة تأثير ونفوذ رأس المال!
وبحسب وجهة نظر الباحث حظي مفهوم العدالة الاجتماعية بمكانة معتبرة في أدبيات التنمية منذ ظهورها في خمسينيات القرن العشرين، وكان ذلك ارتباطاً بالدول المستقلة حديثاً عن الاستعمار، وتصاعد الحاجة الى التحديث، إلا أن مفهوم العدالة الاجتماعية ذاته تطور وتبدل - صعوداً وهبوطاً - مع تطور مفهوم التنمية وتطور الظروف السياسية المحيطة به على الصعيد الدولي. كثيرة هي التفاصيل التي أشارت الى العدالة الاجتماعية في أدبيات التنمية الدولية. في حقبة الخمسينيات والستينيات ظهر مفهوم التنمية في إطار نظرية التحديث التي ركزت بالأساس على تحقيق النمو الاقتصادي والتصنيع والتقدم التكنولوجي، هذا إضافة الى تبني المجتمع لقيم الحداثة.
في حين أن حقبة السبعينيات والثمانينات شهدت حالة من المراجعة للمفهوم، فظهر اتجاه يدعو لإدخال البعد البيئي، والاتجاه نحو تحقيق التنمية المستدامة. أما حقبة التسعينيات فشهدت سيطرت الليبرالية الجديدة على مؤسسات التنمية الدولية، وترى أن تحقيق التنمية يتطلب تحرير الأسعار، ورفع القيود عن السوق وعدم تدخل الدولة في الحياة الاقتصادية، لكن حقبة الألفية الجديدة تعتبر تحولاً جديداً في العلاقة بين التنمية والعدالة الاجتماعية. فعلى الرغم من النجاح الذي حققه المجتمع الدولي في إنجاز بعض الأهداف، مثل تخفيض معدلات الفقر المدقع والجوع إلا أن ذلك يقابله تصاعد الغضب من تدني مستويات المعيشة واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وهو ما يتطلب تنمية محورها الإنسان وعدالة اجتماعية أساسها المساواة والتوزيع العادل للثروات والتخلص من استغلال رأس المال.