عيدية

امل كاظم الطائي
amalaltaay@yahoo.com
2017 / 11 / 3

عيدية
كنا نترقب قدوم العيد بلهفة وغبطة، ونعد له العدة لاسابيع من تنظيف وترتيب وشراء ملابس جديدة ننتقيها بشغف وجمال بما يتلاءم والمناسبة القادمة، نعد جدول لاجمل الاماكن التي سنزورها او ربما نذهب سفرة مع الاصدقاء والاقارب والاستمتاع بيوم جميل بعيدا عن هموم ايام الدراسة يوم كنا طلاب.
كانت حياتنا مزهوة وزاخرة بالمسرات، لاحروب ولا طائفية نعيش بسلام حتى اذكر اننا لم نكن نقفل باب الدار بمفتاح، وفي ليالي الصيف المقمرة ننام بالسطح بعد رشه بالماء وفرش الافرشة مبكرا كي تبرد عند الاستلقاء عليها.
ناخذ معنا تلفاز صغير للسطح وربما بعض المكسرات والفاكهة لنقضي الليلة بصحبة فيلم او مسلسلة.
لم نكن نحمل هم غير الدراسة والاستعداد ليوم دراسي جديد.
وفي صباح يوم الجمعة كان المؤذن يختم خطبته ب " اللهم امنا في اوطاننا ولا تسلط علينا من لايرحمنا"، لم نكن نعير هذه الكلمات اهمية، وكنت استغرب من هذا القول رغم اني كنت صغيرة جدا انذاك وكنت اقول في سري لم لا يقول المؤذن ربي ارزقنا مزيد من التطور والتقدم او المزيد من متع الدنيا والعافية، بعد عقدين من الزمن وعيت وادركت اهمية دعاء المؤذن وما تعنيه هذه الكلمات القليلة التي كان يختم بها.
المهم اخذتنني الذاكرة بعيدا لايام كنا ذهب لزيارة الاقارب ومعايدتهم بمناسبة حلول عيد الفطر او عيد الاضحى المباركين، وكنت اصر على اصطحاب والدي رحمه الله كي احصل على العيدية.
كنا في اول يوم نزور بيت عمي الكبير رحمه الله كونه عميد العائلة واكبر الموجودين وكان يمثل لوالدي الاب الحنون والصديق وكانا لا يفترقان ابدا ولا يتخاصمان فالعلاقة وطيدة لانه تكفل بتربية والدي حينما فقد والدايه في سن مبكرة.
كان بيت عمي يزخر بالناس والجيران، للامانة "بيت كرم وجود".
دخلنا الدار وجدنا عمي رحمه الله يجلس على كرسي وامامه منضدة سطرعليها في الجهة اليمنى رزمة من عملة النصف دينار وفي الجهة الاخرى رزمة ثانية من عملة الربع دينار، اصطففنا نحن الاطفال بصفين الاول للصبية والثاني للبنات، كان يعطي رحمه الله للاولاد نصف دينار وللبنات ربع دينار.
حين اتى دوري اعطاني ربع دينار كنت حينها في التمهيدي ولا يبلغ عمري اكثر من اربع سنوات، اعترضت وقلت له لا اريد مثلهم نصف دينار، هم ليسوا احسن مني!!!
- ولكنك بنت ونحن نعطي للبنات ربع دينار
- انا احسنن منهم
- كيف؟
- قرات له نشيد بالعربية واخر بالانكليزية ومن ثم حسبت الارقام من الواحد الى العشرة بالعربية وبالانكليزية
- ها عمو اني احسن منهم اعطني نصف دينار جوزي مثلهم
- ضحك طويلا، وضعني في حضنه وقال
- والله بابا انت مثل ابوج محامي ومنو يكدر على لسانه
- قبلت جبينه وقلت له لعد منك نص ومن ابويه نص
- تحلق الجميع من حولي ضاحكين وهم يرددون والله يابا آفة وسعلوة، هههههههه
مرت السنين والموقف محفور في ذاكرتي، لم يميزون بالتعامل بين الاناث والذكور؟
رغم ان عمي رحمه الله متعلم وكانن استاذ يدرس مادة التاريخ وضابط في نفس الوقت، لم هذا التمييز بجعل الانثى دائما مرتبة دون الرجل حتى في الطفولة.
انها العادات والتقاليد والموروثات التي تربينا عليها وبالتالي نشأنا وكبرنا وكبرت معنا، وخلفت في فوسنا كاناث شعور باننا دون مرتبة الرجال، وحتى حينما كنا جلس سويا ايام زمان في الحديقة مثلا، البنت تقوم على خدمة الجميع لجلب الماء او المشروبات او ما شابه وعادة ما تقوم الام بذلك " قومي اجلبي الماء لاخيك" وطبعا البنت تبادر بالطاعة ولم يدر بخلد احدانا ان ترفض او تقول لم لا يجلب الماء لنفسه، انها الطاعة العمياء التي سرنا عليها، ولكني كنت متمردة وفي يوم وكنت عند اقاربي قال لي ابن عمتي "اجلبي لي ماء بارد"
رددت " الاعتماد على النفس فضيلة"
تعجب من ردي وابتسم وربت على كتفي
يابا اني اجيب المي بس خلصيني من لسانك
ههههههههههههههه
اقول ياترى بعد مضي اربع عقود على ذلك هل تغير شئ في سلوك مجتمعنا ام ما زلنا نعد البنت لخدمة الاخرين، رغم انها اليوم تتعلم وتعمل يدا بيد مع الرجال وباتت تتحمل اعباء فوق طاقتها في تصريف امور البيت وتعليم الاولاد وتربيتهم وتلبية طلبات الزوج والاولاد وربما خدمة اهل الزوج ايضا...
وآخر ما ابتدعه مجتمعنا الجديد باسم الشفافية والديمقراطية "زواج القاصرات" ليكتمل بذلك السييناريو والعرض، فلا يكفيهم سلب البنت معاملتها بالمثل وانما يريدوا سلب طفولتها وقتل بسمتها.
هؤلاء لا دين لهم ولا ضمير ولا انساية كيف لطفلة بعمر التسع سنوات لم تننضج بايولوجيا بعد ولا نفسيا للعيش بكنف زوج، هي حتى لاتعي ولا تفهم حقوق الزوج عليها، هي لازالت بحاجة لاكتمال انوثتها ونضج عقلها، كيف تبني اسرة وهي لازالت بحاجة الى حنان امها ورعاية والدها.
انا اتعجب ايعقل اننا في عصر التكنولوجيا والمعلوماتية والعلم قطع شوطا هائلا، ونحن نعود ونستند على قول اشك جدا في نسبه للرسول عليه الصلاة والسلام وهؤلاء من يدعون صحة ذلك اقول لهم يوجد الاف الاحاديث الكاذبة التي نسبت للرسول او لاهل البيت او الصحابة وهؤلاء الابرار براء من ذلك.
اتقوا الله في الحفاظ على طفولة بناتنا ولاتزيدوا المجتمع بؤسا فوق بؤسه.
اناشد اليوم كل من له ضمير وذرة من الانسانية، للضغط على الحكومة العراقية لوقف العمل بهذا القانون المجحف بحق الطفولة، يدا بيد فلنعمل سويا لوقف هذا الدمار المؤدلج لدمار مجتمعنا.

المهندسة امل الطائي
3 تشرين الثاني 2017