كشف الايهام في الاستدلال علي بقاء الرجم في الاسلام

محمد الصادق
todowithout@gmail.com
2017 / 10 / 27

عقوبة الزنا في الشريعة الإسلامية من المسائل التي أثير حولها جدل كبير، وكثر الخلاف فيها قديما وحديثا برغم ما ورد فيها من نصوص واضحة في الكتاب والسنة، فمع ان السلف كانوا يرون ثبوت الرجم الا ان من العلماء المعاصرين من يخالفهم في ذلك ويري أن لا رجم علي الزاني المحصن، لكننا نري ان هؤلاء لم يتدارسوا بما يكفي ما ذهب اليه اولئك، فكل من يستعرض أقوال علماء السلف في تفسير القرآن وشروح السنة فيما يتعلق بالموضوع يجد تضاربا شديدا وتناقضا كبيرا، لذلك وجدنا أنفسنا مدفوعين للبحث في مصنّفاتهم، ولننظر إن كان هناك لبسا في نقلٍ، أو في إدراك معنيً تسبّب في ذلك التضارب والتناقض؛ ونرجو أن نكون قد وجدنا بالفعل شيئا من ذلك مما يحلّ الإشكالات المحيطة بالمسألة.
ما جاء في عقوبة الزنا في الكتاب و السنة:
-(وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا(15) وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِنْ تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَحِيمًا)(16)النساء
-(الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(2) الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ)(3)النور
-روى مسلم وأصحاب السنن عن عبادة بن الصامت عن النبي (ص):
(خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة، والرجم)
-جاء عن عمر في موطأ الإمام مالك: (إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم، أن يقول قائل: لا نجد حدين في كتاب الله، فقد رجم رسول الله (ص)، ورجمنا، وإني والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله لكتبتها: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة)، فإنا قد قرأناها. قال سعيد بن المسيب: فما انسلخ ذو الحجة حتى قُتل عمر).
-هناك أحاديث عن الرسول (ص) انه رجم ماعزا والغامدية ويهودي ويهودية وحكم بالجلد والنفي علي العسيف، وبرجم من زني بها.
-وروي البخاري ومسلم: (عن الشيباني: سألت عبد الله بن أبي أوفى: هل رجم رسول الله (ص)؟ قال: نعم، قلت: قبل سورة النور أم بعد؟ قال: لا أدري)
مشكلة الاستدلال علي حكم الرجم:
هناك ثلاث طرق للاستدلال علي الرجم أولها حديث عبادة، وثانيها ما ذكره عمر عن آية الرجم، وهذان دليلان قوليان، اما الثالث فهو السنة الفعلية للرسول (ص) في رجم الزناة.
إنّ اول ما لفت نظرنا هو أنّ الترتيب الزمني لأدلّة عقوبة الزنا الواردة في الكتاب والسنة أمر مشكل، ولذلك لا يعرف أيٌّ منها نسخ الآخر، فهناك خلاف في ترتيب حديث عبادة مع النصوص الأخرى، فبعضهم يري انه منسوخ وبعضهم يري انه ناسخ، ويزعم البعض انه خصّص آية الجلد التي يري آخرون عمومها بأنها لم تخصّ محصنا من غير محصن، وبالرغم من وضوح هذا القول الذي يري أنّ العقوبة هي الجلد فقط للرجال والنساء المحصنين وغير المحصنين، لكن العلماء قالوا أنّ الرجم عقوبة اضافية اثبتتها السنة الفعلية علي الزاني المحصن؛ وهذا يقودنا للسؤال القديم الذي سأله احد التابعين لاحد الصحابة: هل رجم النبي (ص) قبل سورة النور ام بعدها؟ وفائدة هذا السؤال كما يقول ابن حجر في فتح الباري: "أن الرجم إن كان وقع قبلها فيمكن أن يُدّعى نسخه بالتنصيص فيها على أن حد الزاني الجلد" لذا فهو سؤال مفصلي يتمحور حوله هذا البحث؛ لكن هناك اسئلة فرعية تقود للاجابة علي ذلك السؤال:
1- ما معني الأذى الذي تحدثت عنه آية النساء: (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا)؟ فقد حار العلماء في ذلك حتي قال الطبري انه لا فائدة ولا مضرة من معرفة ذلك وانه ليس في القران ولا في السنة ما يدل عليه: "وأهل التأويل في ذلك مختلفون، وجائز أن يكون ذلك أذى باللسان أو اليد، وجائز أن يكون كان أذى بهما. وليس في العلم بأي ذلك كان من أي نفع في دين ولا دنيا، ولا في الجهل به مضرة" (الطبري: جامع البيان).
2- ما هي دلالة عبارة الرسول (ص): (البكر بالبكر والثيب بالثيب) التي قيل ان صياغتها تشبه آية القصاص: (النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ)، ولم يجدوا لها تفسيرا؟
3- ماذا كان يقصد ابن الخطاب من عبارته: "لقد رجم رسول الله (ص) ورجمنا" ؟ هل كان الرجم مثار جدل آنذاك؟
تناقض الاقوال في معني آيتي النساء:
ذكر محمد علي السايس:
"وقد أُختلف في المراد باللذين يأتيان الفاحشة على أقوال:
1- أنهما الرجل والمرأة البكران، وهو قول السدي وابن زيد.
2- أنهما الرجلان الزانيان، وهو قول مجاهد.
3- أنهما الرجل والمرأة لا فرق بين بكر وثيب، وهو قول عطاء"(السايس: تفسير آيات الأحكام). يقول ابن العربي: "والصواب مع مجاهد؛ وبيانه أن الآية الأولى نص في النساء بمقتضى التأنيث والتصريح باسمهن المخصوص لهن، فلا سبيل لدخول الرجال فيه، ولفظ الثانية يحتمل الرجال والنساء، وكان يصح دخول النساء معهم فيها لولا أن حكم النساء تقدم، والآية الثانية لو استقلت لكانت حكما آخر معارضا له، فينظر فيه، ولكن لما جاءت منوطة بها، مرتبطة معها، محالة بالضمير عليها فقال: (يأتيانها منكم) علم أنه أراد الرجال ضرورةً." (ابن العربي: أحكام القرآن)
تناقض الأقوال في الجمع بين الجلد والنفي، والجلد والرجم:
"واختلفوا في التغريب مع الجلد؛ فقال أبو حنيفة وأصحابه: لا تغريب أصلا، وقال الشافعي: لا بد من التغريب مع الجلد...وقال مالك: يُغرّب الرجل، ولا تُغرّب المرأة...قال الجمهور: لا جلد على من وجب عليه الرجم، وقال الحسن البصري، وإسحاق، وأحمد، وداود: الزاني المحصن يُجلد، ثم يُرجم" (ابن رشد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد).
الاختلاف في الترتيب الزمني لحديث عبادة مع الأدلة الاخري:
يقول ابن حجر: "ان حديث عبادة ناسخ لما شرع أولا من حبس الزاني في البيوت فنسخ الحبس بالجلد وزيد الثيب الرجم"، ويقول: "واحتج بعضهم بأن حديث عبادة الذي فيه النفي منسوخ بآية النور لأن فيها الجلد بغير نفي وتعقب بأنه يحتاج إلى ثبوت التاريخ وبأن العكس أقرب فإن آية الجلد مطلقة في حق كل زان"(ابن حجر: فتح الباري).
بعض أقوال العلماء التي تناقض بقاء حكم الرجم:
1- قولهم بان الجلد هو تمام الحد:
يقول ابن القيم: " أراد منا اعتقاد أن الجلد المذكور في الآية هو تمام الحد وكماله؛ فغير جائز إلحاق الزيادة معه...كذلك يجب أن يكون قوله: (الزانية والزاني فاجلدوا) ناسخا لحكم التغريب في قوله: (البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام)"(ابن قيم الجوزية: إعلام الموقعين عن رب العالمين).
فاذا كان الجلد هو تمام الحد وكانت اية الجلد ناسخة لحكم التغريب لانه زائد عن الجلد، فلماذا لا تكون بالمثل ناسخة لحكم الرجم لان الرجم زائد ايضا عن الجلد، فالرجم والتغريب قد وردا معا في حديث عبادة.
2- قولهم بعموم آية الجلد:
جاء في تفسير ابن عطية: "والألف واللام في قوله: الزانية والزاني للجنس وذلك يعطي أنها عامة في جميع الزناة وهذه الآية باتفاق ناسخة لآية الحبس وآية الأذى اللتين في سورة النساء، وجماعة العلماء على عموم هذه الآية"(ابن عطية: المحرر الوجيز).
3- قولهم بان الرجم لا يُنصَّف:
يقول محمد أبو زهرة في شرح الآية التي تبين عقوبة زنا الأَمَة المتزوجة: "(فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب)، وإن الرجم لا ينصف، وإذن يكون ما على المحصنات المتزوجات جلدا قابلا للتنصيف، وإن هذا يدل بدلالة الإشارة أو الاقتضاء على أنه لا رجم"(أبو زهرة: زهرة التفاسير).
ازالة اللبس عن معني حديث آية الرجم:
يظن العلماء أنّ "آية الرجم منسوخة التلاوة، باقية الحكم، وأنها مخصِّصة لآية الجلد"(ابن عاشور: التحرير والتنوير)؛ لكن بعضهم يرون ان نسخ التلاوة مع بقاء الحكم امر لا يستسيغه العقل.(محمد بن الخطيب: أوضح التفاسير).
يقول الامام النووي: "وفي إعلان عمر بالرجم وهو على المنبر وسكوت الصحابة وغيرهم من الحاضرين عن مخالفته بالإنكار دليل على ثبوت الرجم"(النووي :المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج).
من حديث عمر نفهم ان هذه الواقعة كانت في آخر عهده، وانه لمن المستغرب ان يخطب عمر في الناس سنة ثلاث وعشرين ليعلمهم بالرجم ويدلّل علي ثبوته ويذكّرهم بقوله (لقد رجم رسول الله ورجمنا) -وهذه العبارة نجدها مشتركة في جميع روايات الحديث- فمن غير المعقول ان الرجم كان مثار جدل في ذلك الوقت، ونري ان هناك التباسا في فهم المراد من كلام عمر علي المنبر، فكل الروايات المضبوطة للحديث ظاهرها يدل علي ان عمر يتحدث عن آية الرجم من أجل تدوينها في المصحف كبقية الآيات التي نُسخ حكمها وبقي لفظها: "وقد روى السيوطي في الإتقان عن الليث بن سعد في سياق رواياته عن تدوين القرآن في خلافة أبي بكر أن زيد بن ثابت كان لا يكتب آية إلا بشاهدي عدل وأن عمر أتى بآية الرجم فلم يكتبها لأنه كان وحده وأن أبا خزيمة بن ثابت جاء بآخر سورة براءة ولم يكن معه شاهد فقبلها منه وقال إن رسول الله جعل شهادته بشهادة رجلين"(محمد عزت دروزة: التفسير الحديث).
فعمر وهو يشعر بدنو اجله اراد ان يخلي مسئوليته عن عدم تدوين الآية في المصحف، وليس للامر علاقة باثبات الرجم.
- ازالة اللبس عن معني (الثيب بالثيب، والبكر بالبكر):
ورد حديث عبادة في مسند الامام احمد وبعض كتب السنة باللفظ التالي: عن عبادة بن الصامت أن النبي (ص) كان إذا نزل عليه الوحي كرب له، وتربد وجهه، وإذا سري عنه قال: (خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا، الثيب بالثيب، والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة والرجم، والبكر جلد مائة ونفي سنة).
فقد ذكر اولا: (الثيب بالثيب، والبكر بالبكر) ثم ذكر ثانيا:-مفصّلا عقوبة الثيب والبكر-: (الثيب جلد مائة والرجم، والبكر جلد مائة ونفي سنة)، وهذا الجزء الثاني من الحديث تكفي ألفاظه لمعني الحديث المتعارف عليه، وتبقي عبارة (الثيب بالثيب، والبكر بالبكر) كأنها زائدة بلا معني، وهذا لا يمكن بالطبع لما عرف عن بلاغة الرسول (ص) وانه افصح العرب قد أُعطي جوامع الكلم فلا يسهب، لذا حاول البعض ادراك معني تلك العبارة فقيل فيها:
-"يعني إذا زنا بكر ببكر وثيب بثيب فحذف ذلك اختصارا لدلالة السياق عليه"(المناوي: فيض القدير).
-"الثيب بالثيب يريد إذا زنى الثيب بالثيب وكذلك قوله البكر بالبكر يريد إذا زنى البكر بالبكر."( الخطابي: معالم السنن).
-"أي: البكر مع البكر، والثيب مع الثيب؛ فيكون ثيبا يجلد وثيبا آخر يرجم" (المَاتُرِيدي: تأويلات أهل السنة).
فالماتريدي بقوله: "ثيبا يُجلد وثيبا آخر يُرجم" يريد ان الثيب نفسه تختلف عقوبته فتارة يرجم وتارة يُجلد ثم يُرجم، حسب اختلاف الاحوال، ولكن ما هي الاحوال التي تجعل العقوبة تختلف من ثيب الي ثيب اخر؟ لا يوجد الا حالين فقط للزاني الثيب: فاما ان يكون هذا الثيب -الرجل- ارتكب جريمته مع امرأة ثيب -وهذه هي دلالة عبارة (الثيب بالثيب)- او انه ارتكبها مع امرأة بكر؛ ومثله البكر الزاني -الرجل- : اما انه زَنا بامراة بكر -وهذه هي دلالة عبارة (البكر بالبكر)- او انه زنا بامرأة ثيب. اذن فللزاني -الرجل- اربع حالات، لكن المذكور في الحديث حالان فقط وهما (الثيب بالثيب) و(البكر بالبكر) ولم يذكر الحالين الآخرَيْن وهما: (الثيب بالبكر) و(البكر بالثيب)، ولكن الاساليب البيانية للغة العربية تطيق ان يكون هذان الحالان مضمرين يدل عليهما السياق بما يعرف باسلوب "الطي والنشر"، وهو كثير في اللغة ومن امثلته في القرآن: (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى) فهو مطويّ وتقديره –نشره-: "وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان يهوديا، وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيا" وقد اشار الملا علي القاري لما يقرب من ذلك: "اللاتي يأتين الفاحشة لا تخلو إما أن تكون بكرا، أو ثيبا، والأولى إما زنت بالبكر، أو بالثيب، والثانية أيضا كذلك فبين في الحديث ما حد البكر بالبكر، والثيب بالثيب، وترك ذكر الثيب مع البكر لظهوره"(القاري: مرقاة المفاتيح). إذن فأحوال الزناة أربعة وهي: البكر مع البكر، والبكر مع الثيب، والثيب مع البكر، والثيب مع الثيب. كذلك فان قوله (ص) الذي فصّل فيه العقوبة: (الثيب جلد مائة والرجم، والبكر جلد مائة ونفي سنة) فيه طيّ، ونشره يعطي المعني التالي: (علي الثيب الرجم، أو جلد مائة والرجم؛ وعلي البكر جلد مائة، أو جلد مائة والنفي)، وهي اربع حالات من العقوبة؛ وبتوزيعها علي حالات الزناة الاربع تصبح النتيجة كالتالي: عقوبة زنا البكر مع بكر الجلد والنفي، والبكر مع ثيب الجلد فقط؛ وعقوبة زنا الثيب بثيب الرجم فقط، والثيب ببكر الرجم والجلد؛ ولا شك ان اغواء المرأة البكر افظع من اغواء الثيب فتطلّب ذلك عقوبة اقسي، ونلاحظ ان هذه العقوبات هي للرجال فقط حسب لفظ الحديث؛ وهنا نستطيع ان نفصّل قول مجاهد بان الرجلين الزانييْن في قوله تعالي (واللذان يأتيانها) هما الرجل البكر والرجل الثيب، لان عقوبتهما مختلفتين فهذا يُجلد وهذا يُرجم؛ اما اختلاف العقوبة من بكر الي بكر، او من ثيب الي ثيب فهي علي حسب من زُنِي بها، فالرجل الذي زني بالمرأة البكر ان كان هو بكرا زيد له مع الجلد النفي، وان كان ثيبا زيد له مع الرجم الجلد؛ وهذا كان من الامور المحيرة فلم يُفهم لماذا كان الثيب يجلد احيانا ولا يجلد احيانا اخري -ونفس الامر ينطبق علي نفي البكر- وعبثا حاول البعض ان يوجد قاعدة لذلك فقد اورد ابن عبد البر: "وفي هذه المسألة قول ثالث وهو أن الثيب من الزناة إن كان شابا رجم وإن كان شيخا جلد ورجم وقاله مسروق وقالت به فرقة من أهل الحديث"(ابن عبد البر: الاستذكار)؛ وهذا كله يقودنا الي ملاحظة في غاية الاهمية وهي ان هذا الحديث ينطبق معناه علي لفظ "الاذي" المذكور في آية النساء، فقد ذكرنا من قبل ان عبارة (البكر بالبكر و الثيب بالثيب) زائدة عن المعني المتعارف عليه للحديث، وفي نفس الوقت لدينا لفظ "فآذوهما" في اية النساء ينقصه معني محددا، فنخلص الي ان الجلد والنفي والرجم المذكورة في الحديث ليس الا بيانا لمعني "فآذوهما"، وقد اشار الي ذلك الخطابي: "والأذى يتسع في معناه للرجم ولغيره من العقوبة"(الخطابي: معالم السنن).
إزالة اللبس في متن حديث عبادة:
ربما يقول قائل أنّ كون حديث عبادة بيانا "للاذي" المذكور في آية النساء يمتنع بكونه بيانا للسبيل الذي تحدثت عنه الآيتان والذي يفترض ان ياتي لاحقا؛ ولكن شدة انطباق معني (البكر بالبكر والثيب بالثيب) علي لفظ (فآذوهما) تجعلنا نستنتج ان بداية الحديث -اي قوله (ص): (قد جعل الله لهن سبيلا)- مُدرج من حديث آخر، لا سيما وان قوله: (قد جعل الله لهن سبيلا) سبقه الحديث عن وصف حال الرسول (ص) عندما ينزل عليه الوحي فنستنتج ان الرسول (ص) لابد انه ذكر حينئذ الاية التي انزلت، ولابد انها آية الجلد في سورة النور؛ وعلي هذا يكون حديث عبادة هو في الحقيقة عبارة عن حديثين اولهما هو اول الحديث المعروف ومعه ذكر آية الجلد، والثاني يبدأ بعبارة (الثيب بالثيب، والبكر بالبكر) فالحديثان هما:
1- (أن النبي (ص) كان إذا نزل عليه الوحي كرب له، وتربد وجهه، وإذا سري عنه قال: خذوا عني خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ). وهذا الحديث كان بالطبع عند نزول الاية.
2- (الثيب بالثيب، والبكر بالبكر، الثيب جلد مائة والرجم، والبكر جلد مائة ونفي سنة.) وهذا الحديث ليس الا بيانا لمعني (فَآذُوهُمَا) في سورة النساء الذي نُسخ باية الجلد. فالرجم كان مشروعا فى التوراة كما قال ابن حجر: "أول دخول النبي (ص) المدينة وكان مأمورا باتباع حكم التوراة والعمل بها حتى ينسخ ذلك في شرعه فرجم اليهوديين على ذلك الحكم ثم نُسخ ذلك بقوله تعالى (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم)"(ابن حجر: فتح الباري).
لا رجم للنساء بعد سورة النساء، ولا رجم للذكور بعد سورة النور:
إذن فآية (واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم) قررت الحبس علي الزانيات ونسخت الرجم لهنّ، وهذا يتّسق مع نهي الاسلام عن قتل النساء وقد اخذ ابوحنيفة بعموم هذا النهي فلم يُجِز قتل المرتدّة؛ وأما آية (وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا) فقد أقرّت الجلد والنفي والرجم علي الزانيين الرجال وهذا ما بينه حديث عبادة -الحديث الثاني- وبنسخ الآية يكون الحديث الذي بيّنها قد انتسخ ايضا، وبنسخ آية الجلد لهما يتضح ان وقائع الرجم قد حدثت قبل نزول آية الجلد، لذا فلم يبق من مخصِّصٍ لاية الجلد، ويتبين من ذلك عمومها بأن لا شئ غير الجلد للمحصن وغير المحصن، حسب ظاهر الآية.
اذن فقد جعل الله السبيل للنساء فخفّف عنهن الحبس الي الجلد، كما خفّف عن الرجال ايضاً من النفي والرجم الي الجلد، فصار الحد الجلد في جميع الأحوال؛ ولا شك ان التخفيف مما بُنيت عليه شريعة الاسلام: (يُرِيد الله أَن يُخَفف عَنْكُم وَخلق الْإِنْسَان ضَعِيفا)(28) النساء. وإذن فلم يكن هنالك رجم للنساء بعد سورة النساء، ولم يكن هنالك رجم للذكور بعد سورة النور.
تساقُط أدلّة بقاء الرجم و التغريب:
علي ذلك فان الروايات المذكورة عن رجم النساء كانت قبل سورة النساء، والتي رجم فيها رجال كانت قبل سورة النور، وبهذا تكون قد اتضحت اجابة السؤال الذي سئل لابن ابي أوفي بأنّ الرسول (ص) لم يرجم بعد سورة النور. فيسقط بذلك الاستدلال بالسنة الفعلية.
واما حديث عبادة فقد عرفنا ان الرجم والتغريب المذكوريْن في الحديث هما بيان للفظ (الاذي) في اية النساء التي كان الاجماع علي نسخها بآية النور.
وأما آية الرجم فكما ظهر لنا فإنّ ذكر عمر لها كان بغرض اثباتها في المصحف ضمن ما نُسخ حكمه وبقي لفظه، بالإضافة الي ان مدلولها كان علي غير ما عُمل به من رجم المحصن وليس رجم "الشيخ" كما في الآية؛ وهكذا تساقطت ادلة بقاء الرجم والتغريب.
سبب تقديم الزانية علي الزاني:
قبل نزول آية الجلد -علي حسب ما استنتجنا- فقد كان الجلد مطبقا علي الرجال دون النساء اللاتي كنّ يُحبسن لذا بدأت الآية بهنّ: (الزانية والزاني فاجلدوا) أي "اجلدوا الزانية كما الزاني"، وليس كما زعم المفسرون من ان تقديم الزانية كان بسبب ان المرأة هي التي تدعو الرجل للزنا أو تعرض نفسها عليه.
خاتمة:
لقد كان الرجم في اول الامر اتباعا لحكم التوراة؛ لكن شريعة الاسلام سرعان ما منعت قتل النساء والصبيان لذا أمر الشارع بعدم رجم النساء وحبسهنّ حتي اشعار اخر، واما الرجال فاستمر حكم الرجم عليهم، وهو ما عبر عنه القرآن بلفظ (فآذوهما) أي بمثل ما كان عليه الامر في السابق ولذا ربما لم يفصّل ذلك الأذى لكونه معروفا.
إنّ مما يحزّ في النفس أن يُلصق الرجم بالإسلام بتلك الطريقة الساذجة، بسبب ان احد الرواة وَهِم فقطع قوله (ص): (قد جعل الله لهن سبيلا) عن آية النور، ووصله بقوله (ص): (الثيب بالثيب والبكر بالبكر) فصار السبيل الرجم بدل الجلد، فيا للعجب!
وختاما نود ان نذكّر بأننا لا ندعي أنّا بَصُرنا بما لم يبصر به السلف، فنحن كما رأيتم لم نفعل سوي أن تخيّرنا من كلامهم بعضا من تفسيراتهم مما هو اقرب الي المعني الظاهر والي المعقول، ثم قرأنا الجزئيات المختارة مع بعضها فزال اللّبس عن نسخ النفي والرجم كما قد بيّنا، بما يحلّ جميع اشكالات الموضوع، وذلك دونما انكار حديث او واقعة مما جاء في السنة المطهرة، وانما حاولنا احسان التفسير للنصوص المعنية، وما كلّف ذلك سوي تبيين اندراج متن حديثين في حديث واحد، وهي علة معتادة في علم الحديث، ونعتقد ان هذا لا يساوي شيئا في مقابل تلك التفسيرات المتناقضة التي أخرجت كثير من نصوص القرآن والسنة عن دلالاتها العامة وعن معانيها الظاهرة دون دليل واضح، وجعلت نصوص اخري بلا معانٍ محددة، مما أدّي الي الالتباس الذي كان موجودا، يقول الإمام الغزالي: "فإن الألفاظ إذا صرفت عن مقتضى ظواهرها بغير اعتصام فيه بنقل عن صاحب الشرع ومن غير ضرورة تدعو إليه من دليل العقل اقتضى ذلك بطلان الثقة بالألفاظ وسقط به منفعة كلام الله تعالى وكلام رسوله (ص)" (الغزالي: إحياء علوم الدين).
ونعتقد انه ربما كان التزام كل مذهب بما أُستُنبط عنده من قواعد اصولية مثل نسخ الكتاب بالسنة او السنة بالكتاب، وما يجوز من ذلك وما لا يجوز، هو الذي منع من ظهور الامر علي النحو الذي بيّناه؛ هذا بالاضافة الي اكتفاء الخلف بما قد توصّل اليه السلف دون تتبّع اقوالهم ومدارسة آرائهم.
لقد هدف هذا البحث الي اظهار الحقيقة ليس إلا، وبالتالي فهو بمثابة نصيحة لكتاب الله ولسنة رسوله ولائمة المسلمين وللطلاب والباحثين ليعيدوا النظر في الأمر ويتفكروا فيه؛ ألا هل بلغت، اللهم فاشهد.