إمتهان الاحساس بالقهر

حامد حمودي عباس
xgyz133@gmail.com
2017 / 10 / 22

لا ادري كيف ولماذا يدفعني قدري ، وباصرار غريب ، لصدف تواجهني ، اجد فيها امامي حالات تجعلني في مواجهة غيلان تهددني بالافتراس ، وتغزوني الرغبة بالبكاء ، والصراخ ، والاستسلام لحالة من الاغماء المفاجئ .. فالحروب لاحقتني اينما حل بي الترحال حينما كان الرعب من وطني يغلق علي الدروب .. فبدت لي احياناً ، وفي مواضع عدة ، بان الحياة قد لا تتيح لمن لا ترغب به ، ان يعيش بسلام .
في كل مرة احمل فيها روحي التواقة للراحة ، فاذهب متجولا في الشوارع ، لقصد او غير قصد .. تشخص امامي صورة يظهر فيها جوع بشري على هيئة طفل او طفلة ، فابدأ بالذوبان في نظراتهما ، مسافراً الى فضاءات هي من صنع خيالي ، حيث تتجسد امامي النزعات المؤلمة ، حينما يضرب في اعماقهما معول الجوع الكافر .
صباح هذا اليوم ، وانا بانتظار احدهم في مقر شركته لارافقه في رحلة عمل .. دخل رجل يجر بمعيته طفلة ترتدي ثوبا اسود ، وشال اسود ، ووجهها تلطخه الوان الذل كما هو حال رفيقها الذي كان في مقتبل العمر .
همس الرجل بكلمات لم يسمعها الحاضرون ، غير انهم ردوا عليه تحيته التي اماتتها مشاعر الخجل .. دعاه موظف الاستعلامات للجلوس ، ولم يطيب له الجلوس الا بمواجهتي تماما ، وكأنه راغب باثارتي وسوقي الى تقمص شخصية المحارب امام جيوش الفاقة مرة واحدة .. امتشقت سيف خيالي ، وغصت في بحور من البؤس بدت امواجها تتلاطم على محيا الطفلة .. لقد كانت في سن العاشرة حسب تقديري ..
وفوراً بدأ الرجل حديثه :
- أنا ايها السادة ، لست شحاذاً ، ولم يخطر ببالي يوما بانني سوف ارتمي في احضان العوز ، والى الحدود التي انا فيها الان .. هذه ابنتي مصابة بمرض في المسالك البولية .. ولم يفلح معها العلاج ، وتقرر ان يكون علاجها النهائي هو غسل الكلى بين فترات متقاربة .. وقد تطور المرض الى انها حاليا تتخلص من اليوريا في جسمها عن طريق الانابيب .. الطفلة بحاجة الى اجراء عملية جراحية في مستشفى ( ) الخاصة .. مقابل اجور لم استطع ان اوفر منها غير النصف .. ابنتي تموت يا سادة .. وانا اليوم أسير مشاعر الابوة التي ارغمتني الى ترك جميع الاحاسيس بالكرامة ، فقررت ان اجمع لها بقية ثمن العلاج مهما صعبت علي السبل .
وراح يثبت صحة دعواه ، بعرضه لمجموعة من الوثائق الرسمية ، تبرع احد الحاضرين بالاطلاع عليها ، والاقرار بكونها صحيحة .
كان والد الطفلة سريعا في اطلاق كلماته ليضمن وصولها مجتمعة لمن حوله ، قبل ان تتحرك خطى القدر الحمقاء ، فيرن جرس هاتف ، او يدخل ضيف اخر ، او تهبط من سقف المكان شرور اللارحمة .. فتقطع امامه الطريق نحو امله المنشود بإنقاذ ابنته .
ولكوني على عجلة من امري ، وكعادتي في كل مرة يسوقني قدري فيها ، الى دهاليز القهر ، فقد بدأت بالسباحة في تضاريس وجه الطفلة وهي ترنو لابيها وبعيون تقطر أسى .. كنت اخالها وكانها في حيرة من امر اختيارها فريسة للمرض دون سواها من الاطفال .. ثم ، وبحركة ثقيلة تنقل نظرها المتعب بين الاخرين ، لترى ما يحدث من ردود فعل ..
لقد هوت امامي حينها جميع معاني الحب ، والسلام ، والالوان الجميلة ، لتحل محلها اكثر صنوف الكراهية حدة لمن حولي من البشر والشجر والحجر .. وصرت اترنح في مكاني ، وغزتني قوة رهيبة تدفعني قسراً نحو حالة من الاغماء .. الاب لم يكن قد اتم حديثه .. في حين استمرت الطفلة بحركة رأسها ، في رحلة بدت لي طويلة جدا بين ابيها والحاضرين في المكان .
ترى .. ما معنى ان تحمل تلك البائسة الصغيرة ، قلادة تتيح لها الموت المؤكد بعد حين سوف لن يطول ، وسط هذا الكم الهائل من عهر الفساد في كل شيء ؟ .
تحرك احدهم ليضع في يد الرجل المستغيث مبلغا من المال ، شعرت بعده بانه قد فرح امام فرصة تقليص المسافة بينه ، وبين اقتلاع ابوته من جسد ابنته النحيل .
تركت الوفاء بموعد اللقاء بصاحبي .. وجميع ما بداخلي يصيح .. سيبقى امتهاني للإحساس بالقهر ، سبباً لأمنياتي بحمل حقيبة الرحيل من جديد .