لا لعقوبة الإعدام بالجزائر

ماجيد صراح
madjid.serrah@hotmail.com
2016 / 8 / 24

مع اختفاء و من بعد اكتشاف الطفلة نهال ذات الاربع سنين جثمة مشوهة بمنطقة واسيف بتيزي وزو الشهر المنصرم، عاد للواجهة من جديد الحديث عن عقوبة الإعدام و المطالبة بإعادة تفعيلها كحل لمواجهة ظاهرة اختطاف الأطفال بالجزائر.
هاشتاقات، عرائض، منشورات على شبكات التواصل الإجتماعي، نداءات لوقفات و مسيرات، حصص تلفزيونية و مقالات صحفية كل هذا من أجل تقديم الإعدام كحل لاختطاف الأطفال و المطالبة بإعادة تفعيل هذه العقوبة التي تم تجميد تنفيذها و إن كانت لا تزال تنطق بالجزائر منذ 1993، إلى كل هذا انظمت بعض الشخصيات، و الجمعيات و الأحزاب السياسية لمساندة هذا المطلب، منها من قام بذلك عن قناعة و منها أيضا من استغل الفرصة فقط لكسب رضى و مستقبلا أصوات هؤلاء المواطنين الغاضبين.
و في وسط كل تلك الضجة، أصوات من هم ضد عقوبة الإعدام بالكاد سمعت و بالكاد ما وجدت لنفسها منبرا تتكلم منه.

المتتبع لما كان ينشر و يقال في تلك الأثناء يندهش من ذلك العنف المتداول. فتجد أحدهم، رجلا كان أم امرأة، يطالب بتنفيذ الإعدام في الساحات العامة باستعمال أبشع الطرق و الوسائل، حتى أنك لتتساءل هل إلى هذه الدرجة بلغنا من العنف، ألم نكتف بعد مما سال من دماء في العشرية السوداء التي ليست بالبعيدة، و هل ستجد هؤلاء الناس سيسارعون لإمتاع أنظارهم و أنفسهم بمشاهدة قطع رأوس المجرمين لو استجيب لمطلبهم؟

ممكن أن تلك المطالب و كل ما قيل ليس سوى كلام صادر في حالة خوف و سخط و غضب، لكن الأن علينا أن نتذكر أن القوانين لا تصاغ حين الغضب و لا حتى الهدف منها هو الإنتقام من المجرم و تحويل الضحية لجلاد بل لإحقاق العدل و تصحيح المجرم. ألان بعد انقضاء فترة الغضب و الحزن تلك، أليس حريا بنا أن نبحث عن حلول فعلية لظاهرة اختطاف الأطفال عندنا بعيدا عن العنف بل بطريقة عقلانية، ندرس فيها أولا أسباب و دوافع هذه الظاهرة و ندرس المجرمين المتسببن فيها من كل النواحي. هل يوجد شخص أو مؤسسة بالجزائر يمكنها أن تقدم لنا إحصائيات حول الظاهرة و تجيب عن هذه الأسئلة و تخبرنا عما يشترك فيه منفذو هذه الجرائم و ما دوافعهم و من أية فئة ينحدرون؟

أشك كثيرا في ذلك.

يقول المطالبون بتنفيذ حكم الإعدام أن ذلك سيردع كل من ستسول له نفسه مستقبلا بالتفكير بالإقدام على اختطاف طفل. لكن إلى أي حد هذا الكلام صحيح في غياب الدراسات لفهم مختطفي الأطفال؟ هدا من جهة، و من جهة أخرى، هل سبق للإعدام أن ردع و صد الجريمة في أي مكان من هذا العالم؟ فحاليا 105 دولة استغنت كلية عن عقوبة الإعدام و 51 دولة منها الجزائر لم تطبق هذه العقوبة منذ 6 سنوات على الأقل. فالدول أصبحت تتراجع يوما بعد أخر عن عقوبة الإعدام بعد أن رأت أن لا نتيجة إيجابية منها.
المطالبة بإلغاء الإعدام ليست مطالبة بتكريس اللاعقاب، فتوجد الكثير من البدائل عن قتل شخص.

في بلد مثل بلدنا أين يوجد تداخل في السلطات و الجميع يندد ليلا نهارا بغياب العدالة، ظف لذلك كون القضاء ليس بالعلم الدقيق فاحتمال الخطأ وارد. و الخطأ القضائي الذي ينتهي بإعدام بريء جريمة بحد ذاتها لا رجعة فيها و لا يمكن تصحيحها، فهي تجعل بدل الضحية الواحدة ضحيتين. لعل وسائل الإعلام تحدثنا عن عديد الحالات لأناس تم إدانتهم و من ثم تمت تبرءتهم عشرات السنين بعد ذلك. في ديسمبر 2014 صرح "كوامي أجامو" بعد تبرأته بعد أن قضى 40 سنة في السجن بالولايات المتحدة "لقد قتلوا كل أحلامي و أمالي. كنت أريد أن أصبح شخصا. كنت أريد أن أصبح محاميا. من الممكن أن أكون في مكان باراك أوباما. من يدري؟" طبعا لو أعدم، لما كان له أن يذرف تلك الدموع التي ذرفها بعد تبرئته.

في البلدان التي تطبق حكم الإعدام، أغلب المجرمين "ضحايا" الإعدام هم أناس بسطاء و فقراء، دفعتهم ظروفهم للجريمة و أعجزتهم نفس الظروف عن توكيل محامين للدفاع عنهم للتخفيف من أحكامهم.

عبينا أن نتذكر إن نسينا أن المشاكل لا تحل بالعنف و الدماء بل بالذكاء و الدراسة و الحوار، فإن كانت عقوبة الإعدام ستردع خاطفي الأطفال فماهي –العقوبة- في نظر المطالبين بالإعدام لردع ذلك الشاب الذي يظرم النار في جسده وسط ساحات الإدارات؟