نمر النمر.. الحكم السعودي ينتحر!

سامي فريدي
fdanharib@yahoo.com
2016 / 1 / 10

سامي فريدي
نمر النمر.. الحكم السعودي ينتحر!
في الثاني من يناير الجاري، وفي خضم احتفالات العالم بالعام الجديد وأفراح الميلاد المجيد، دشنت المملكة السعودية العام بمجزرة اعدام سبعة وأربعين نفسا انسانية، وذلك بطريقتها الهمجية الداعشية البدائية التي تجاوزتها المدنية والحضارة الانسانية منذ أمد بعبد.
وتضم المجزرة الوحشية كوكبة من نشطاء احتجاجات الربيع العربي السعودي التي انطلقت في البلدان الخليجية أسوة ببلدان عربية مثل تونس ومصر وليبيا وغيرها. وقد بذلت حكومات البلدان الخليجية وسعها للتكتم على أنباء تلك الاحتجاجات ومنع تسربها للاعلام العالمي، مستخدمة بالمقابل، أكثر الوسائل القمعية وحشية للسيطرة على انفجار الأوضاع المتردية.
لكن مخاوف الحكم السعودي تتجاوز الربيع العربي وانعكاساته الفجائعية في سوريا الجريحة، لما هو أكثر خطورة منها. تلك هي المشكلة الطائفية والانشقاق الاسلامي الاسلامي بين النواصب والروافض، والمرتبطة أصولها بظهور الاسلام نفسه. وإذا كان مؤسسو الاسلام جهدوا لتوحيد الناس وجمعهم على لغة واحدة وتصفية الأديان والعقاتد والقبائل المخالفة لأسرة الحكم باستخدام وسائل القتل والتصفية والنفي والتهجير والامتهان، فقد كان حكم الله عليهم أن يجعل كيدهم في نحرهم، ويجعل الفتنة والاحتراب الداخلي دالة ابدية عليهم.
*
ففي مقابل المجازر الدموية وجرائم السلب والنهب والسبي التي قام بها الحكم الاسلامي ضد السكان الأصليين في البلاد ومنطقة الشرق الأوسط عامة، فقد كان مصير قادة الاسلام الاغتيال والتصفية الداخلية منذ البدء وعلى مدى تاريخهم السياسي. وهذا يؤكد، ليس فشل أهدافهم التوحيدية/ الوحدوية فحسب، وانما فشل سياساتهم في منع المعارضين وقمع الصوت الآخر. والذي يتأكد في استمرار الهوة الفازعة بين المجتمعات الشرق الأوسطية والحكومات القمعية المتسلطة عليها، وحالة الخوف والحقد المتبادل بين الطرفين.
ان أزمة الحكم العربي المعاصر هي أزمة تاريخية بنيوية تعود إلى أصل الاسلام وبدايات تأسيس الحكم العربي الفاشل والمتراجع على مدى الزمن. فقد فشل الأوائل في انتاج نظرية متكاملة للحكم السياسي وإدارة الدولة من جهة، كما فشلوا في تأسيس مجتمع مستقر منسجم في مكوناته وراسخ معتمد على ذاته. فكان العنف العسكري والارهاب السياسي والفكري هو قوام استمرار الحكم العربي الاسلامي، ومع تردي العنصر العربي العاجز عن التطور، تسلطت أقوام وقوميات أخرى على الحكم الاسلامي من برامكة وبويهيين وسلاجقة وعثمانيين حتى الحرب العالمية الأولى.
لقد ارتهن الاسلام شعوب الشرق الأوسط مدة أربعة عشر قرنا في ظلمة التخلف والعبودية وغياب الفعل والارادة. لم يكن الاسلام خلالها منظمة عبودية قمعية فحسب، بل أداة مجانية للتسلط والجور السياسي والاجتماعي عبر التاريخ وحتى اللحظة.
*
من هنا كان حرص الغرب على التمييز بين العرب من جهة، والمسلمين غير العرب من جهة أخرى، في سياساته البعيدة والقريبة، ومنها دوره في انشاء الدول والأنظمة الحاكمة العربية في القرن العشرين؛ حريصا كل الحرص، على استبعاد النخب الفكرية والسياسية المثقفة من الفعل، واستمرار أصول الحكم الاسلامي المتخلفة تاريخيا، من خلال استحداث عوائل حكم قبلية وعناصر عسكرية من الخط الثاني.
لقد كان أولى بأجيال السياسيين والحكام على مدى القرن العشرين الاستفادة من فنون الحكم السياسي والادارة المجتمعية المزدهرة في الغرب، والالتفات لاعادة بناء المجتمع والدولة على أسس حديثة توازن بين المكونات الاجتماعية والمتطلبات الاقتصادية لترسيخ أركان الدولة وقواعد الحكم المدني العادل، بدل التخبط بين شعارات الرياء الديني والقعقعة العسكرية الفارغة.
شخصيا كنت أتساءل.. هل تستفيد بلدان الخليج من تجارب مصر وسوريا والعراق وما انتهت إليه أنظمتها وحكوماتها؟.. فإذا بنظرية الببغاء العربي تكرر نفسها، العراق يكرر أخطاء عبد الناصر، وسوريا تكرر أخطاء لبنان، والسعودية والامارات تعيدان انتاج التجربة العسكرية لمصر والعراق بغباء باهر.
لقد نجحت السياسات الغربية في توريط بلدان الخليج لتنمية توجهاتها العسكرية والتحول إلى ترسانات عسكرية، بعدما قام الغرب نفسه بتدمير القدرات العسكرية العراقية والليبية والمصرية ومصادرة أسلحتها وأنظمتها – الدكتاتورية-!.
القضية المركزية لأنظمة الشمال العربي [مصر، ليبيا، سوريا، العراق] كانت وحدة الأمة العربية وتأسيس خطاب سياسي اقتصادي عسكري موحد. والقضية المحورية لبلدان الخليج بزعامة السعودية هي توحيد العرب دينيا ومذهبيا وتكوين تحالف سياسي عسكري اسلامي سني وهابي، لمواجهة المدّ الشيعي الايراني في المنطقة والعالم وحلفه العسكري الروسي.
وقد سبق لبلدان الخليج بقيادة السعودية استخدام كل من لبنان والعراق وسوريا، ميادين حرب بالنيابة، لتصفية الصراع السعودي السني والايراني الشيعي في الشرق الأوسط. وقد انتهت البلدان الثلاثة إلى حالة من دمار شامل والخروج من كل معادلة عسكرية سياسية مؤثرة في العالم. ولم يعد أمام السعودية غير نزول الميدان بنفسها لمواجهة الغول الايراني الشيعي.
*
في عام 2012 قام الجيش السعودي بعملية عسكرية غير متوقعة، باجتياحه حدود البحرين وضرب الانتفاضة الشعبية المدنية حشية من نجاح الشيعة في استلام الحكم في البلاد.
وفي عام 2015م قامت القوات العسكرية السعودية والاماراتية باجتياح اليمن وضرب الانتفاضة الحوثية في البلاد، مكررة نفس ادعاءات نظام صدام حسين في اجتياحه للكويت التي وقفت السعودية بالضد منه عام 1990م. ويعتبر التدخل العسكري السعودي في اليمن أول تجربة لجيشها بهذه السعة والمدة، إضافة لاستخدامها الطيران العسكري السعودي للمرة الأولى، وهو ما ينطبق على الامارات أيضا.
لكن السياسات السعودية وسيناريوهاتها العسكرية الاقليمية منذ سبعينيات القرن الماضي زادت من تعقيد وضعها وتأزيم الموقف الشيعي وليس العكس. وفيما كانت تسعى لترجيج التوازن الطائفي لصالحها اقليميا، بغير طائل، فأن مواقفها الداخلي في المنطقة الشرقية زاد ترديا وحطورة. ولا شك أن الدور السعودي في سوريا واليمن والعراق، زاد من هيجان مشاعر السكان الشيعة داخل المملكة.
كل تدخلات السعودية الاقليمية فشلت، وتصاعدت النقمة الجماهيرية ضد الوهابية والحكومة السعودية في المنطقة والعالم، سيما مع استمرار تنظيمات القاعدة وجبهة النصرة وداعش وشباب وبوكو حرام في مارساتها الوحشية الشنيعة في المنطقة والعالم، وهو أمر لا يحتسب الحكم السعودي لعواقبه الدولية المفاجئة، سيما بعد مجزرة باريس في نوفمبر الماضي.
على صاجب القرار السعودي والعربي أن يعترف بفشل الوهابية في مواجهة الفكر الشيعي أولا، وأن تنظيمات السلفية الجهادية الوهابية صارت عالة على الحكم السعودي والاسلام عامة، ولا بد من وقف سياساتها التقليدية وانتهاج أساليب جديدة أكثر احتراما للذات والآخر.
من أسباب الطغيان السعودي المتمادي هو الحماية الدولية التي يسبغها البيت الأبيض الأميركي على المملكة السعودية وعائلة الحكم. لكن الحماية الأميركية الخارجية للمملكة لا ينفي كونها ازدواجية الأغراض. وقد سبق للأميركان اسباغ تلك الحماية على عبد الناصر وصدام تمهيدا للهاوية.
*
المجزرة السعودية للثاني من يناير الجاري هي دالة تخبط وفقدان السيطرة. فبعد فشلها في اليمن واذعانها للقرار الدولي بوقف الحرب، عادت للاقتصاص من شيعة القطيف، ممثلة بالزعيم الشيعي نمر باقر النمر [1959- 2016م] مع عدد من أنصاره وأفراد عائلته بينهم قاصرون. وقد استنكر العالم تلك المجزرة سيما في توقيتها السيء، الذي يذكر باعدام الرئيس صدام حسين من قبل الحكم الشيعي عشية عيد الأضحى الاسلامي عام 2006. وكأن النواصب ينتقمون من الروافض بالمثل. ولا يدرك كل من الطرفين أنهما بذلك يؤكدان الوجه الدموي للاسلام والعنف العربي سواء.
لقد كان النمر رهن الاعتقال منذ عام 2012م، أي منذ أحداث الانتفاضة الشعبية، وكانت عملية اعتقاله قد جرت بطريقة وحشية منافية للأعراف الاجتماعية والقانونية وحقوق الانسان. والسجل السعودي الوهابي لحقوق الانسان يضع المملكة في مقدمة البلدان الوحشية، سيما للمبررات التافهة وغير القانونية لمعظم المعتقلين، بوصفهم معتقلي رأي أو سجناء حرية ومضطهدين سياسيين إلى جانب العوامل الأثنية والدينية والطائفية التي لا تعترف بها قوانين المملكة السعودية.
وكان جيريمي كوربن زعيم حزب العمال البريطاني قد ندد بانتهاكات السعودية لحقوق الانسان في مؤتمر حزبه ليوم التاسع والعشرين من سبتمبر 2015م داعيا رئيس وزراء بلده للتدخل لوقف تلك المجزرة قبل وقوعها، سيما لوجود متهمين دون السن القانونية. ويعتبر جيريمي كوربن الاشتراكي اليريطاني أول مسؤول غربي على مستوى عال يندد بالسجل السعودي لحقوق الانسان التي يعكف الأميركان على التغاضي عنها.
لقد فات الحكم السعودي، في خضم تخبطه وعجزه عن الخروج من الأزمة الشيعية، أنه لا يمثل نفسه حكومة أو دولة، وانما هو ممثل للاسلام. وهذا يعيد للضوء موقف الاسلام من ميثاق حقوق الانسان، المعيار الدولي لاستحقاق البلدان والمجتمعات لعضوية الأسرة الدولية ومنظماتها الانسانية في مختلف المجالات.
وبغض النظر عن المليارات التي تسفحها دول البترودولار لشراء صمت العالم وتحسين صورتها الاعلامية، فما يزال بعض الكتاب الاسلامويين يبذلون جهدهم لمراوغة الحقائق التاريخية والفكرية لتأكيد انسجام مبادئ الاسلام مع مبادئ ميثاق حقوق الانسان. ويذكر أن المفكر الكويتي أحمد البغدادي تناول ذلك بالتفصيل في كتبه مفندا لتلك الدعاوى.
النظام السعودي سوف يسقط ويندثر، وتبقى الحقوق الانسانية والمطالب الوطنية والحقة لمجتمعات الخليج والمنطقة حية ونابضة، حتى تحقيق المستقبل الزاهر والمشرق.
العف والقمع والهمجية والدكتاتورية والعبودية والاقطاع الديني والفكري ومصادرة الحريات والحقوق والأفكار والآراء ليست جديدة، ولكنها طريق السقوط والهاوية لمن يعملون بها. والبقاء للانسان والأمل.