الإعدام ودموية الحكم في التاريخ العربي

محمد حسام الدين العوادي
amohamedtn@yahoo.fr
2015 / 5 / 22

تعالت الصيحات منذ مدة، مستهجنة أحكام الإعدام التي تصدر بالجملة في مصر، وخاصة ضد شخص الرئيس السابق مرسي، و أوحى لي ذلك بأن أذكر جميع المنددين والمستهجنين ببعض الحقائق التاريخية التي إن تذكروها ربما يهدؤون قليلا.
سؤالي الأول هو سؤال أحمد شوقي
إِلامَ الخُلفُ بَينَكُم الاما ** وَهَذي الضَجَّةُ الكُبرى عَلاما
فعلام هذه الضجة الكبرى التي تستقي منها بعض الجهات وقودا لإيقاد نارها ، نار تريد أن تحصد أعشاب هذا الوطن العربي اليابسة التي ليس فيها من الحياة الا القليل. ثم فيم الإستغراب والتعجب ولماذا ؟
فهل أن الإعدام والقتل والتنكيل غريب عليكم وعلى تاريخكم وثقافتكم ؟ وهل تعرفون في التاريخ الإسلامي انتقالا راديكاليا للسلطة بدون اراقة دماء؟ وأعني بالراديكالي انتقال للسلطة من نظام الى آخر مثلا من الخلافة الأموية الى العباسية، أما غير الراديكالي انتقال السلطة دون الخروج من نظام الخلافة مثلا داخل البيت العباسي.
منذ ظهور الإسلام الى تاريخنا الحديث فإن التاريخ ماانفك يعيد نفسه في كل مكان وزمان من العالم العربي. فعند جمهور من أهل السنة فإن الرسول مات شهيدا وذلك من أثر السم الذي دسته له امرأة يهودية في الطعام، ثم أتت الخلافة الراشدة ومات عمر مقتولا ، أما عثمان فمات مقتولا ميتة شنيعة من إخوانه المسلمين الثوار، ولم يكن مصير علي بن أبي طالب أحسن منه وانتهت بذلك الخلافة الراشدة. واعلم عزيزي القارئ أنه لم يستقر أمر حكم الا عند انتصاب الديكتاتورية ونظام الوراثة وهذا حال الخلافة الأموية حتى انتهائها والعباسية حتى انتهائها. واعلم أعزك الله أن الحكام العرب المسلمين كانوا يفعلون أشنع الفعلات للإحتفاظ بالحكم. وأنهم في سبيل الحكم ينسون الله ورسوله.
معاوية احتج بقميص عثمان وحارب عليا الذي قال فيه رسول الله : "من كنت مولاه فعلي مولاه" وقال فيه القرآن "إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الصلاة وهم راكعون" والمقصود بها علي ابن أبي طالب والتفاسير كلها تشهد على ذلك. إذن فإن معاوية حارب عليا من أجل الحكم وجعله في ذريته من بعد ذلك قسرا وبالقوة والدليل أن الحسين بن علي حفيد الرسول لما طالب بالحكم قطعت رأسه وأخذت إلى يزيد ليضربها بالدرّة. ولن نتحدث عن بعض الخلفاء الصالحين الذين يشتبه في موتهم بالسم مثل الحسن بن علي وعمر بن عبد العزيز. وبما أن سنة التاريخ أن الطغاة لا يستمرون للأبد فقد ثار العباسيون مع العلويين ضد الدولة الأموية. وأول ما فعله العباسييون ليس أن ذبحوا بني أمية فقط، بل أن ذبحوا من أعانهم - أي أعان العباسيين – على الوصول للحكم كأبي مسلم الخراساني والعلويين. ومن المثير للتقزز أن يقتل خليفة قتيله بعد أن يعطيه الأمان وهذا ما حدث عندما أعطى أبو جعفر المنصور الأمان لأبي مسلم الخرساني ثم قتله غيلة وغدرا. أفبعد هذا تتحدثون عن عظمة وهيبة الخلافة الإسلامية؟ فهل عدّد القارئ معي عدد الإعدامات والاغتيالات والجرائم السياسية؟ هي الى حد الآن آلاف
و الإغتيالات والإعدامات لا تقتصر فقط على إطار الثورات وأعني بذلك أن يقتل مثلا واحد من بني العباس واحدا من بني أمية. بل تجاوزه لأن يقتل واحد من بني العباس واحدا من بني العباس ليستأثر بالحكم مثلما قتل أبو جعفر المنصور عمه أو مثلما قتل المأمون أخاه وهذا شيء متواتر تاريخيا.
إني لا أسعى في مقالي الموجز للتفصيل لأن هذه الأحداث التاريخية تستوجب كتبا طويلة لتفصيلها.
إن الإعدام قارئي العربي راسخ في الثقافة العربية منذ ظهور الإسلام الى يومنا هذا والإعدام قد يأخذ أشكالا مختلفة، قد يكون أن تقتل خصمك في بلاطك بعد أن تعطيه الأمان مثلما فعل أبو جعفر المنصور للخراساني وأبو عبد الله السفاح لبني أمية، وقد يكون أن تقتله غيلة وغدرا مثلما قتل المماليك سيف الدين قطز، أو أن تقتله بعدما أن تحاصره بآلاف الجنود مثلما قُتل الحسين بن علي، أو أن تقتله اغتيالا مثلما قُتل عمر بن عبد العزيز، فقط فإن الإعدام اليوم اتخذ صفته الحديثة وهي صفة الشرعية، شرعية بعد محاكمة، وهذه رأيناها مع سيد قطب وغيره من الإخوان سابقا، فأين كانت هذه الصيحات يوم تم اعدام سيد قطب الذي قدم للفكر الإسلامي نتاجا غزيرا – وان كنا لا نتفق مع الرجل – وأين كانت هذه الصيحات يوم اعدام صدام حسين وهو يوم عيد الاضحى – وان كنا لا نتفق مع الرجل – أين كانت؟ ، نفس الإعدام نراه اليوم مع مرسي وأصدقائه، فهذه الضجة الكبرى علاما.