عاشت ام عبد الله!

فارس محمود
faris.mahmood@gmail.com
2014 / 4 / 20

وانتصرت الانسانية على الدين، على قانون الطبقات المتوحشة عديمة الضمير والانسانية. ان هذا اول انطباع يخرج به الانسان امام ماجرى قبل ايام في احدى محافظات ايران، (محافظة مازندران).
في لحظة تاريخية لاتنسى، تعجز كاميرات العالم عن حمل عمق ابعادها الانسانية، لاتستطيع رؤية عمقها الانساني الا عين الانسان نفسه. فاليوم (15 ابريل-نيسان 2014) يوم القصاص لعبد الله (القتيل) من عبد الله (القاتل) في احد الساحات العامة ( نور) الايرانية. عبد الله الذي قتل على ايدي بلال (وكلاهما في السابع عشر من العمر حينها) اثناء شجار في ملعب كرة قدم قبل سبعة اعوام .
ياتي جلادوا الجمهورية الاسلامية المخضبة اياديهم باجمل اناس المجتمع، ببلال للقصاص منه امام انظار الجميع، امام امه التي على وشك ان تقفز روحها من جسمها لرؤية ولدها الذي في مقتبل العمر ، بلال، لرؤية اعز ما يمتلكه الانسان، لاعز قطعة من الانسان، ومن الام بالذات، يساق لحبل المشنقة، امه، وهي ترى ان دقائق تفصلها عن الانفاس الاخيرة لابنها. اي مصيبة هذه واية كارثة هذه، واي موت هذا. انه لامر مؤكد انهم لن يسلبوا روحه، بل انهم قرروا ان يسلبوا روح امه كل لحظة ودقيقة مادام هناك نفس في رئتيها، امه ووالده الواقفين على باب السجن من ساعات الصباح الاولى، خائري القوى، ينتظرون ابنهم يساق لابشع مشهد ممكن للبشر ان يراه!
وعائلة الضحية المنكوبة قبلها، قبل عبد الله، بطفلها الاول، رحل عن عالمنا هذا في حادث سيارة. وسط النحيب والبكاء، وسط ذهول الحضور، وسط انهيار وعجز عائلة المساق لحبل الاعدام وجنون امه، وهي ترى الساحة وحبل المشنقة المتدلي بانتظار اجمل اشيائها، وكرسي الاعدام، وابنها وهو يعد خطواته الاخيرة. منظر لاتتمناه لاسوأ اعدائك!
طلب جلادو الجمهورية الاسلامية، وبعد ان لفوا الحبل على رقبته، من الاب ان ياتي ليضرب الكرسي، كرسي سلب روح بلال، صعدا الام والاب، مضت الام الموغلة بالوجع والمرارة وصفعته صفعة خفيفة على وجهه، من الممكن ان هذه هي كل القوى التي كانت تملكها انئذ، وربما شيء رمزي منها بيدها عسى ان يرد لها ويعوضوها عن هذا الحزن الهائل في قلبها، وبدلاً من ضرب كرسي الموت هذا، صفعته برفق ونزعت الحبل عن عنقه، انزلته من الكرسي. اذهب! هذا ماتمتمت به! ليفيق الحاضرون من ذهولهم، ليغمروها باجلى ايات الاحترام والتصفيق ويمطروها بعبارات الثناء التي كانت تنهال من افواه الحاضرين المتعطشين لعالم اثر انسانية وعرفانا بالجميل والتقدير لسعة الصدر هذا.
انها ليست سعة الصدر فحسب. انها ببساطة لم ترتضي لنفسها، ولم تقبل انسانيتها، ان ترمي بام بلال بالكابوس ذاته الذي خبرت ايلامه ووجعه وجرحه الذي لايندمل قط! انها تعرف جيداً ان الف اعدام وقصاص لايدمل جرح عميق ونازف مثل فقدان الابن، ليس ثمة شيء يعوض هذا الجرح.
ذهبت قلوب الملايين صوب هذه الام، ذهبت قلوب الانسانية كلها عند اقدام هذه المراة العظيمة، واولهم ام بلال ذاتها التي هرعت بجنون مابين مصدقة او مكذبة، بجنون من كان على وشك ان يفقد كل صوابه، مقبلة اقدام ام الضحية مرارا وتكرارا، لتنهضها ويتعانقا عناقا لايمكن لكل كتب التاريخ ان تصفه، لايمكن لكل كتاب العالم بماركيزها الجميل ان يصفوه!
لقد كان عناقاً تاريخياً مذهلاً. يجب ان يخلد صوره ولقطاته في ذاكرة البشرية، في ارقى متاحف العالم، كدليل واضح على ان انسانية الانسان هي اكبر من الدين، اكبر من القانون، اكبر من هذا العصر الممعن في الوحشية التي خلقتها الطبقات الحاكمة. وعلى ان القصاص والاعدام والانتقام، بالاضافة الى انها لاتداوي اي جرح، هي مشاعر سلبية ومتخلفة لاتصلح لان تكون معياراً في التعامل الانساني.
انها وثيقة للتاريخ، وثيقة ادانة للحكومات القرووسطية وقوانينها البالية والمعادية حتى نخاع العظم للانسان والانسانية. هذه الحكومات التي اثبت التاريخ الف مرة انها لاتليق بان تحكم، الانسانية والمجتمع المعاصر، والبشرية المتمدنة قد سبقوها بسنين ضوئية. ان هذا دليل على انسانية الانسان لاحدود لها ان لم يلوثها الدين، قوانين الطبقات الحاكمة، العشائرية والتعصب.
ومن باب العرفان بالجميل، رد والد بلال، وهو مدرب كرة قدم، بتاسيس مدرسة لتعليم كرة القدم باسم "مدرسة عبد الله لتعليم كرة القدم"!
لا اخفي عليكم، حين اطلعت على هذا الخبر الذي تعقبته بكل جوارجي، ذهب ذهني فورا وقارنت بين ام عبد الله، وبين ذلك الـ".....!!" (لا اعرف ماذا اقول عنه!!) الذي نسى منصبه وموقعه ودولة قانونه ليهتف "الدم بالدم!"، كمن وجد ضالة له، و ورايت مدى وضاعة الطبقة الحاكمة في العراق وتياراتها.
لقد كسبت ام عبد الله احترام ومحبة سكان مدينتها، ايران، والعالم باسره. العالم بدون ام بلال وامهات بلال لاقيمة له، اساساً ليس بعالم جدير ان يعيش به الانسان. لنقف ونرفع قبعاتنا احتراما لام عبد الله، لانسانية ام عبد الله!
عاشت ام عبد الله!
عاشت ام عبد الله!
عاشت ام عبد الله!
لا للاعدام والقصاص!