الصَّلِيبُ عَثْرَةُ لِلنّاظِرِ

سامي فريدي
fsanharib@yahoo.com
2014 / 4 / 19

سامي فريدي
الصَّلِيبُ عَثْرَةُ لِلنّاظِرِ
"يَا سَيّدي كَمْ كانَ قاسِيَاً.. مَوْتُ صَليبِ العَار
وَقَبْلَ أنْ يَحْمِلَكَ.. حَمَلْتَهُ يَا بَارّ!"- البابا شنودة الثالث
"انّ البِشَارَةَ بِالصَّليبِ جَهَالَةٌ لِلأمَمِ، وَأمَّا عِنْدَنَا، نَحْنُ المُخلّصِينَ، فَهْوَ قدْرَةُ
الله!"- (1كورنثوس1: 18)
"يَنْبَغِي أَنْ يَتِمَّ فِيَّ أَيْضًا هذَا الْمَكْتُوبُ: وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ. لأَنَّ مَا هُوَ مِنْ جِهَتِي لَهُ انْقِضَاءٌ."- (لوقا22: 37)
" الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مِنَ الآنَ تَرَوْنَ السَّمَاءَ مَفْتُوحَةً، وَمَلاَئِكَةَ اللهِ يَصْعَدُونَ وَيَنْزِلُونَ عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ."- (يوحنا1: 51)

الموقف من الصليب يتحدّد بحسب الجانب الذي ينظر إليه الشخص في مشهد الجلجثة. لأنّه حيث تنظر العين، هناك ينشغل الذهن، وتنطبع الصورة في القلب. وفي مشهد الصليب توجد ثلاثة جوانب رئيسة: [الخشبة، الشخص المعلّق على الخشبة، قيامة الشخص من الموت!].
وتبعا لهذه الجوانب، ينقسم موقف الناظر إلى واحدة من المواقف التالية: [الموقف الأدبي (الأخلاقي)، الموقف الشخصي (النفسي)، الموقف الروحي (الرمزي)]. وفي كلّ واحدة منها، تلعب الطبيعة البشرية، الاجتماعية والنفسية، دورها الموجّه والفاعل.
- الصليب.. الخشبة..
هي أداة من أدوات التعذيب والصّلب في أيام الرّومان. وكانت كلّ أداة أو طريقة عقابية خاصّة بنوع من أنواع التهم أو الجرائم، ويُنَصّ عليها في متن قرار الحكم. وأداة الصليب كانت خاصة بالمجرمين الخطرين اجتماعيا كاللصوص المحترفين ومُحدِثي الشّغَب. وكان الصّلب يجري بشكل جماعي يتضمن تنفيذ العقوبة بعدد من الضحايا، وذلك في ساحة عامة يشهدها جمهور من النظارة كشهود لتطبيق الأحكام وتحقيق الاعتبار الاخلاقي والردع النفسي، وتكليل الضحايا بالعار والخزي، بما يحقق الغرض الشائن من العقوبة.
كانت العقوبات في أيام الرّومان تنقسم إلى عقوبات بدنية وشائنة، أو شائنة فقط. (جان ماركيزيه/الجريمة- ص121). وكانت العقوبات الجسدية تتألف من تعذيب حقيقي، يوحي على ما يبدو، بالتفنن في القسوة (ن. م.- ص126). فالصّلب هو من من العقوبات المركّبة التي تجمع بين التعذيب- حتى الموت، ومشاعر العار والشماتة. لذلك دعي أيضا - صليب العار!-. وكان المحكوم يعلّق عاريا على الخشبة.
قد يكون من الطبيعي أن ترفض النفس صورة التعذيب أو ما يذكر به. ولكن المنطقي أيضاً، أن لا يبقى مثل هذا الرفض ضمنياً سالباً، بل الضرورة تقتضي ترجمته في واقعنا اليومي وتفاصيل حياتنا العامة. ان مسرح حياتنا المعاصرة مليئة بمشاهد وممارسات التعذيب والقتل بأدوات وطرق أكثر بدائية ووحشية من الصليب الروماني. والعنف البدني والقصاص الجنائي وغير الجنائي ما زال معمولا به على الصعيد الرسمي وغير الرسمي، المنظم والعرفي الفوضوي، الذي يشهد ازدهارا منقطع النظير هاته الأيام، وهو أولى بالرفض والدحض والعمل الجادّ والفوري لوقفه والغاء وتفنيد مبرراته.
ان مشهد صلب يسوع الناصري هو رسالة حيّة وخطاب مباشر لايقاظ الضمير الانساني لوقف العنف والوحشية ممارسة وقيما وشرائع، ودعوة للمحبة والتسامح والغفران التي أعلنها في ذروة آلامه وهو معلّق على الخشبة: " يَاأَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ."
- المصلوب.. بأيدي الناس..
النفس الانسانية بحسب طبيعتها لا تقبل أو تتقبّل فكرة العقاب مبدئيا. ولو لم تكن كذلك لما أقدم أحد على أيّ عمل، خشية أن يترتب عليه عقاب. فكلّ شخص يعتبر نفسه بارا وصالحا وحكيما، بما يجعله جديراً بحياته. لذلك تبدو العقوبة عنده أمرا مباغتا، خارج التوقع والحسبان، فيواجهها بالرفض والتفنن في الهروب والتملّص منه والاحتيال عليه. وفي أصول الاحكام الجنائية يتمُّ مطالبة المتّهم بالاقرار بالجرم والاعتراف بالجرمية، كشرط لتصديق محضر الاتهام وايقاع الحكم.
رفض الفرد للتهمة والعقوبة يتكون من شقين: ذاتي وموضوعي. فالفرد يرفض أن يتهمه الاخرون أو يصدروا عقوبة ضدّه. وفي الشق الثاني يشعر بمسؤولية أدبية تجاه سواه ايضا، فلا يرضى له ذلك من باب التعاطف والتضامن. الاستثناء الوحيد لدى البعض، عندما تكون للمرء صلة شخصية -عدائية- مع المتهم، حينها تنقلب مشاعر العطف الانسانية إلى مشاعر حقد وشماتة.
الواقع.. ان هذه الصورة العامة للعواطف الانسانية في براءتها وصفائها، هي على قدر من المبالغة. ولو أنّها صدقت، لكانت الحياة على الأرض فردوسيّة نقية، ولما استلزم وجود دول وبوليس وقوانين عقابية. النفس البشرية محكومة بالازدواجية والكيل بمكيالين. الفرد يميّز ما له عما لسواه، ويريد دائما أن يكون أفضل من غيره، يحتفظ بكسرة الخبز الأخيرة وجرعة الماء الأفضل لنفسه. المساواة والتكافؤ والعدل.. مبادئ ليست من الواقع، وانما من عالم الافكار والحلم. بل هي جوهر رسالة يسوع الذي بذل نفسه من أجل البشر. والبذل هو تجسيد للمحبة غير المشروطة.
رغم ان الانسان يولد من امرأة، لكنه يعود ويستهين بالمرأة، رغم استمرار حاجته إليها. ورغم انه لا يستطيع الاستغناء عن الناس، ويعاني من الوحدة والوحشة والعزلة والتوحد والاغتراب إذا ابتعد عنهم، لكنه لم يتعلم أن يحبّ الناس، وهو يقيم علاقاته بالمجتمع والبيئة على أساس الحاجة والنفعية. واليوم تضطرد مشاعر حبّ الذات والبراغماتية وتعظم المعيشة، بما جعل المنافسة والصراعات والتحاسد حالة يومية مستمرّة، عدمت قواعد الطمأنينة والسلم الأهلي والعالمي. الفرد يفترس الفرد، والجماعة تفترس الجماعة، والدولة تفترس الدولة.. ولا يكاد أحد يعرف نهاية الطريق..
البطن لا تشبع، والأذن لا تمتلئ.. والمحبة الانسانية صعبة.. - المحبة التي لا تميز ولا تحسد ولا تطمع- ..
دالة الصليب هي الانتصار.. الانتصار على الألم.. الانتصار على نزعات الخطيّة .. الانتصار على رغبات الجسد وعلى شهوات النفس وعلى نزوات الفكر.. انتصار على المادة والعالم والموت.. الصليب هو سلّم العبور من حياة العبودية إلى حياة الحرية..
الرفض هنا هو قناع للخوف الداخلي، وجه للغرور وكبرياء الذات وأوهام الصلاح والكمال.. انه الشعور بالحرج أمام صورة البارّ.. لكن البارّ ليس دالة للخوف، وانما للمحبة، والمحبة الحقيقية تطرد الخوف إلى خارج!- (1يو4: 18).
- القيامة.. الحياة الثانية..
البارّ على الصليب قام.. في الحقيقة قام، وهو حيّ الآن.. وهو صاحب الزمان.. الذي سيدين الكلّ!.
فكرة القيامة قديمة جدّاً في الفكر الشرقي، ومتوارثة في الثقافات والديانات الشرقية حتى اليوم، على اختلاف تفاصيلها وتصوراتها. وكان الصدّوقيون – وهم فرقة يهودية سعت لتحديث الفكر اليهودي- ينكرون القيامة، ويعتقدون أن الموت هو نهاية الكائن الحيّ وتحلّله في التراب. وهذا هو مذهب الطبيعيين والماديين اليوم.
ان القيامة هي العالم الآخر في إزاء عالمنا المادي الحاضر. وهي عالم روحي لا وجود فيه للمادة وخواصها الذرّية. انّ يسوع الناصري، في حياته ومماته وقيامته، في كرازته وتعليمه ووصاياه، كان فوق العادة وفوق مستوى الواقع العادي (extraordinary)؛ ولادراك أبعاد تجربته ووصاياه يقتضي النظر الرّوحي لما وراء الصليب والرموز المفتاحية التي تتكشف عنه، للانتقال إلى حياة النصرة والنعمة والروح. وليس هناك من اتفاق بين الروح والمادة، كما لا يتفق النّور مع الظلمة- (يو1: 5).
هناك من ينظر للصليب والجلجثة نظرة بشرية مادية، باعتبارها حالة تاريخية من هذا العالم؛ ومن المنطقي عندها ان ترتدّ تلك النظرة بالرفض والتساؤلات الشائكة. لكن منظر الصليب والمصلوب، هو صورة روحية غنية بالمعاني والدلالات فوق المادية.. تلك هي الصورة الحقيقية، وما تراه العين مجرد ظلال باهتة وعلامات إرشاد عميقة إلى سرّ التقوى!.