ما هى الفلسفة؟

داود روفائيل خشبة

2013 / 10 / 23


أصعب سؤال توجهه إلى أى دارس للفلسفة هو: ما هى الفلسفة؟ والأصح ليس أن نقول إن هذا سؤال صعب بل أن نقول إنه سؤال تستحيل الإجابة عليه. فليس هناك شىء اسمه الفلسفة. هناك فلسفات وهناك فلاسفة، ولكن ليس ثمة فلسفة على المطلق. وقد كتبت يوما أن مجمل أعمال أى فيلسوف يشكـّل إجابة ذلك الفيلسوف عن السؤال "ما هى الفلسفة؟" وربما كان الأدنى للتناول أن نسأل: من هو الفيلسوف؟ وهتا أستطيع أن أقول إن الفيلسوف هو من تتملكه الرغبة فى الفهم، ولا أقول الرغبة فى المعرفة، بل الرغبة فى الفهم. لذا فإن الطفل، أى طفل سوىّ، هو فيلسوف بأصدق معنى للكلمة. أسئلة وتساؤلات الطفل التى لا تنتهى ليست فى حقيقتها فضولا وليست رغبة فى المعرفة، بل هى توق عارم للفهم ولتهدئة عَجَبه وحيرته إزاء كل جديد يواجهه. ويظل الإنسان فيلسوفا ما ظلت طاقة العَجَب والحيرة حيّة لديه. وقد قالها أفلاطون: إن العَجَب هو أوّل الفلسفة. ولذا فإن كل يقين هو جرثومة تميت العقل المتفلسف، وأشد اليقين خطرا هو الذى يُبَثّ فى العقل من خارج ذاته، ولكن حتى اليقين الذى يصل إليه العقل باجتهاده، إذا استقرّ وسكن ولم تعد تحرّكه التساؤلات والرِيَب يصبح ماءً آسِنـًا يأوى هوائم وطفيلات الفكر الخبيثة. لكنى انسقت بعيدا عن المسار الذى أردته لحديثى، فدعونى أرجع لنقطة البداية.
إذا كان الطفل فيلسوفا فإن الإنسان فى طفولة الجنس البشرى كان كذلك فيلسوفا. كان يتملكه العَجَب والحيرة من ظواهر الكون ومن ظواهر الحياة. لكن حين ألِف الإنسان ظواهر الطبيعة وتلاشت أو ضعفت الرهبة والحيرة اللتان كانتا تمتلئ بهما نفسه إزاء تلك الظواهر، تعلم كيف يستخدمها لتحقيق أغراضه المععيشية، ولم يَعُد يعنيه أن يستكنه سرّها، وتغيّر عنده معنى الفهم فيما يتعلق بظواهر ومجريات الطبيعة، فإذا ما عرف كيف يتكوّن الشىء أو كيف يمكنه أن يستخدمه لتحقيق أغراضه، اعتبر أنه قد فهم ذلك الشىء ولم تعد تعتمل فى نفسه حيرة أو يثور تساؤل فى هذا الصدد. وكان هذا هو منشأ العلوم الطبيعية التى سارت ولا تزال تسير على هذا النهج، وأصبح العاملون فى مجال العلوم الطبيعية يقنعون بهذا المفهوم لمعنى "الفهم".
هكذا حين عرف الإنسان كيف يتحكم فى الطبيعة ويجعلها تخدم أغراضه أخرجها إلى حدّ كبير من دائرة الرهبة والرَوع والعَجَب والحيرة، وبذلك لم تعُد مجالا للتفلسف. لكن بقيت أسرار الحياة التى تعتمل داخل ذات الإنسان. ما سر هذه الحياة؟ ما معناها؟ ما غايتها إن تكن لها غاية؟ ما هذه القِيَم المثالية التى نناضل فى سبيلها ونموت راضين فى الدفاع عنها؟ وما تلك القِيَم الحِسّية التى نتكالب عليها ونتقاتل بسببها وسعيا إليها؟
فى مواجهة هذه التساؤلات لم يجد الإنسان نهجا واضحا، لم يجد إجابات شافية، لم يجد يقينا، فتفلسف وأبدع لنفسه فلسفات. وتلك الفلسفات لا تكشف للإنسان عن شىء موضوعى قائم خارج ذاته، بل هى تنشئ معانٍ تشكـّل حياة الإنسان ووجدانه، وتـُوجِد غاية لوجوده. هذه المعانى التى لا تأتى من خارج العقل ولا وجود لها خارج العقل تحدّد لون الحياة التى نحياها. لكن هذه المعانى والقِيَم مع مضى الزمن ومع تصاريف الحياة ومع تعاقب الأجيال تتشابك وتختلط وتتضارب وكثيرا ما تقودنا إلى ما يبتعد بنا عمّا نطلب من الحياة. ويصبح علينا فى تفلسفنا أن نفحص أفكارنا ومفاهيمنا وقِيَمنا، نفكك تشابكها ونعالج اختلاطها ونـُزيل ما يكتنفها من غيمومة وغموض. وكان أوّل من أدرك هذا فى وضوح ومارسه فى إصرار هو سقراط.
عزيزى القارئ، ما أظننى أفدتك كثيرا، وما كان من الممكن فى هذا الحيّز المحدود أن أقدّم لك شيئا يُعتدّ به وترتاح إليه. بل إنى قطعا لا أريدك أن ترتاح لما أقول، فالراحة موت للفلسفة وموت للعقل. إنما أردت أن أثيرك لتفكّر وتـُعمِل عقلك، فإعمال العقل هو فى ذاته الحياة الجديرة بالإنسان، وغير هذا ليس حياة لإنسان. قال سقراط: الحياة غير الممحّصة ليست حياة لإنسان. وقال ڤ-;-ولتير: أن تحِب وأن تفكـّر، تلك هى الحياة الحقـّة للروح.
قارئى العزيز، لا أطلب منك أن توافقنى أو أن تقبل ما أقول، إنما أريد منك أن تتخذ مما أقول مدعاة لأن تفكـّر لنفسك وبنفسك. فهذه هى الفلسفة. وإن كنت أنا قد بدأت بالقول بأنْ لا إجابة لسؤال "ما هى الفلسفة؟" إلا أننا يمكن أن نقبل هذا التحديد كإجابة مرحلية ننطلق منها للتفكير بأنفسنا ولأنفسنا.
ليتنا نفكـّر، ليتنا نتساءل، ليتنا نـُخضِع كل مُسَلـَّماتنا للتمحيص. هذا ما نحتاجه حتى نتحرّر، هذا ما نحتاجه حتى نحيا حياة إنسانية.
القاهرة، 23 أكتوبر 2013
http://khashaba.blogspot.com
يستطيع القارئ تنزيل كتابىّ Let Us Philosophize و Hypatia’s Lover من http://www.arabworldbooks.com/E-Books/e_books.html
وأعتزم أن أجعل كل كتبى، فى الأصل الإنجليزى، متاحة على هذا الموقع.