حول فکرة إلغاء عقوبة الإعدام!

جلال دباغ

2008 / 10 / 17

في رأي أن فکرة إلغاء عقوبة الإعدام کمجرد فکرة تنسجم مع مبادئ حقوق الإنسان ومع شرائع الدساتير والمبادئ الإنسانية عموما، إنها فکرة صالحة لأن تتحول الي هدف نضالي وبرنامجي لکافة مناضلي ومنظمات المجتمع المدني وغيرها من الأحزاب والهيئات والمؤسسات القانونية والوطنية والمدافعة عن حقوق الإنسان والعدالة.
إن عقوبة الإعدام في ظاهرها تحمل کل القساوة والتعسف والعنف واللاإنسانية والظلم وسلب حق الحياة من الآخرين، ولکن عقوبة الإعدام أو إلغائها مرتبطة في الواقع بظروفها الملموسة وبالجهة التي تقف ورائها أو معها وکامل ظروف المحاکمات وإنزال عقوبات الإعدام. وهل تتفق المحکمة المعينة مع شروط مراعاة تطبيق القوانين بأمانة أو مع مراعاة حقوق الإنسان؟ هناک مقولة تذکر کثيرا وهي( أن المتهم برئ لحين الإدانة) والإدانة بالتأکيد بحاجة الي الأدلة المادية وإثبات الجريمة من خلال شهود الإثبات والتحقيق المحايد وغيرها من الأثباتات، بعيدا عن الإکراه‌ والتعذيب والضغوط وبقية الطرق غير المشروعة وغير الإنسانية.
وأين مراعاة حقوق الإنسان وتطبيق القوانين وحتي توفير الشروط التقليدية في محاکماة المحاکم الصورية للسلطات الدکتاتورية. وهل أن"محاکم" يرأسها أمثال الجلاد عواد البندر أو شمس الدين عبدالله‌ وأمثالهما تتوفر فيها مستلزمات مرعاة العدالة وحقوق الإنسان وصيانة حرمة حتي القوانين الجائرة التي أصدرتها "مجالسهم الوطنية". فهل جري في محاکمة واحدة توکيل محامي لأحد المتهمين. فمثلا في ليلة 27کانون الثاني 1969أعلنت إذاعة بغداد عن محاکمة وإعدام مجموعة من المواطنين بتهمة الجاسوسية لصالح إسرائيل وتم إصدار أحکام الإعدام ب14 منهم وفي الصباح إعدم هؤلاء بتعليقهم في ساحة التحريرفي بغداد وفي ساحات البصرة. والآن وقد مرت حوالي 40 عاما علي هذه‌ الإعدامات، فهل شاهد أحد أو قرأ وإطلع علي وثائق عن جاسوسية هؤلاء؟ ولو فرضنا جدلا أنهم کانوا جواسيس ، فلماذا إعدامهم بهذه‌ السرعة؟ وماذا کانت معلومات هؤلاء المعدومين عن عدد من الجواسيس من ذوي المناصب العليا للدولة والحزب الحاکم؟ وهل تم توکيل محامي واحد لأحد المتهمين؟
فماذا تقول لدکتاتور أرعن يقرر أن أقواله‌ وخطبه‌ وکلامه‌ الإعتيادي يتسم بقوة القانون رسميا. فمثلا صدام حسين المجرم، قتل کما هومعروف الألوف من أبناء الشعب العراقي والکردستاني دون محاکمة أو في محاکمات صورية، وإغتال وأنفل مئات الألوف من أبناء الشعب الأبرياء..الخ. من الجرائم البشعة. فقد جاء الوقت المناسب فيما بعد ووقع صدام بيد الحکومة الجديدة وقدم لمحاکمة عادلة حيث أجريت محاکمته‌ التي إستغرقت وقتا طويلا نسبيا مع مراعاة جميع الشروط القانونية والإنسانية وبعيدا عن التعذيب والإهانة. وحکمته‌ المحکمة المختصة التي رأسها وشارک في عضوية هيئاتها حکام نزيهون ومتمرسون وأصدرت عقوبة الإعدام عليه‌ مقابل أقل من1% من جرائمه‌.!
فهل من المنطقي أن يأتي أحدهم ويطالب قبل تنفيذ حکم الإعدام به‌، بإلغاء عقوبة الإعدام بحق الطاغية صدام مثلا.؟ وقد أعدم ونال عقوبة الموت العادلة.
وکذلک تمت محاکمة عدد من أقطاب الحکم المنهار من أمثال علي حسن الکيمياوي وسلطان هاشم وبقية المجرمين الذين صدرت عقوبات الإعدام بحقهم في محاکمات عادلة وبمواصفات کاملة من العدالة ومراعات حقوق الإنسان. فهل من المنطقي أن يأتي أحدهم ويطالب بإلغاء عقوبة الإعدام بحقهم؟
ومع الأسف الشديد فقد حدث هذا وطالب " قانونيين وسياسيين معينين" بإلغاء عقوبة الإعدام بحق هؤلاء المجرمين، دون أن يتمکنوا من ذکر سبب منطقي واحد أو حجة قانونية قوية واحدة ومقنعة.!
لقد تأخر تنفيذ عقوبة الإعدام بحق عدد من هؤلاء وفي مقدمتهم المجرم علي الکيمياوي والمجرم سلطان هاشم. مما يستلزم الإسراع بتنفيذ إعدامهم. وهناک مئات من الأمثلة علي هذا النمط.
حقا أن بعض الدول المتقدمة حسنا فعلت حيث ألغت عقوبة الإعدام. وقد جاء هذا الإلغاء بعد إرساء حکم القانون وخلق مجتمعات مدنية لا تعاني من الأمية والجهالة. أما في بلد کالعراق مثلا فليس من الصحيح إلغاء عقوبة الإعدام دون مرور سنوات علي القضاء علي الإرهاب ودون إحراز المزيد من التقدم في مجال بناء المجتمع المدني المنشود.
إن إلغاء عقوبة الإعدام مرهون بظروف وأوضاع البلدان المعنية. ليس من الصواب اللجوء الي التقليد، وإنما الحاجة الملموسة هي التي تفرض ذلک. وفي الظروف الراهنة أري أن إلغاء عقوبة الإعدام هو ليس في صالح المجتمع ولا يؤدي الي التقليل من الجرائم التي تستحق عقوبة الإعدام. لأن العقوبة هي ايضا وسيلة ورادع لتقليل الجرائـم.
إن إلغاء عقوبة الإعدام في جوهره‌ هوعمل إنساني عادل ينبغي أن تناضل من أجل تحقيقه‌ في المستقبل جميع المنظمات الإنسانية والوطنية والديموقراطية نحو إرساء أسس الحرية و العدالة والسلام والوئام الدائـم.